ثورة في الجامعات المصرية (1)

كأني قادم من جامعة في العصور الوسطى

"كأني قادم من جامعة في العصور الوسطى". جملة قالها لي الأستاذ الأميركي بجامعة جورج تاون حين سألته عن أحوال جامعة القاهرة. الرجل عضو في لجنة الجودة الأميركية، وكان يزور جامعة الملك سعود حيث كنت أعمل تمهيدا لمنحها الاعتماد الأكاديمي الدولي. الجملة صادمة، وتتضاعف صدمتها حين تأتي من رجل يكنّ عشقا حقيقيا لمصر، وهو في الوقت نفسه أحد المسؤولين الدوليين عن الجودة والاعتماد في كثير من جامعات العالم.

هل يمكن أن نبني على رأي فرد - أيا كان - موقفا جوهريا مبدئيا مما يحدث في الجامعات المصرية؟ بمعنى هل نعد هذا الرأي مقولة مسلماً بها، ومن ثم نحاول أن نرى مواضع الخلل لدينا لنتفاداها؟ أم نتجاوزه كأن رأياً لم يقل؟ لكن، هل هو رأي فرد أو رأي كثيرين ممن أتيح لهم أن يروا جامعات أخرى: يتعلموا فيها أو يحاضروا؟

لنتجاوز الآن الموقف من هذا الرأي، ولنحاول أن نضع معياراً أو معايير نقيس بها جودة التعليم في الجامعات المصرية. هل يصلح الإنفاق على التعليم معياراً؟ أم يصلح معيار نوعية المنتج النهائي للتعليم الجامعي، وهو هنا: الطالب خريج الجامعة المصرية، والبحوث التي ينتجها أعضاء هيئة التدريس؟ أو ربما تصلح القوانين واللوائح التي تنظم شؤون الجامعات في مصر معياراً؟ أم هي الفلسفة التي تهيمن على كل العملية التعليمية الجامعية؟ لا يكفي هنا أن تدلي بانطباعات عامة عن سوء الأحوال في الجامعات، أو أن تقول إن جامعة القاهرة مثلا تشبه جامعات العصور الوسطى. هذا ليس توصيفاً علمياً للمشكلة، وأية حلول مقترحة قائمة على مثل هذه الانطباعات تفاقم من المشكلة، وتؤجل مواجهتها إلى أمد غير معلوم.

وجد مرسي (هكذا دون كلمة رئيس، فأنا لم أعترف به رئيساً لمصر أبداً) أن الحل في زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس، فزادها. لكن هل تغير الوضع؟ ربما ازداد سوءاً. ووجد آخرون أن تعديل بند في اللائحة المنظمة لعمل الجامعات، أو إنشاء هيئات تراقب العملية التعليمية، أو التغيير في الخطط الدراسية أو.. أو.. ربما تكون حلاً، وفعلوا هذا، فهل أصبحنا في المقدمة؟

مثلا تكشف المقارنة بين عدد الطلاب في جامعة القاهرة وعددهم في جامعة الملك سعود عن أمر مؤلم. عدد الطلاب في جامعة القاهرة يتجاوز 250 ألف طالب، بينما عددهم في الملك سعود حوالي 66 ألف طالب فقط. كيف يمكن لجامعة واحدة أن تحتوي على مثل هذا العدد في جامعة القاهرة؟

لا أعرف ميزانية جامعة القاهرة، لكن ميزانية جامعة الإسكندرية لا تتجاوز مليار جنيه في السنة، بينما هي في جامعة الملك سعود ما يعادل 17 مليار جنيه. ميزانية البحث العلمي في كلية الآداب جامعة الإسكندرية كانت من عشر سنوات حوالي ألفين جنيه، ربما وصلت الآن إلى عشرين ألف، أما في كلية الآداب -جامعة الملك سعود فحوالي ما يعادل 500 مليون جنيه.

عدد الجامعات المصرية 50 جامعة ما بين حكومية وخاصة، وهذا هو العدد نفسه في المملكة العربية السعودية، لكن عدد السكان في المملكة من السعوديين حوالي عشرين مليون، بينما عددنا نحن في مصر يقترب من تسعين مليون. ويصل عدد الجامعات في أميركا إلى أكثر من أربعة آلاف جامعة. هل تكشف هذه الأرقام الأولية عن شيء؟ هل تعطينا مدخلاً أوليا للنظر في مشكلة التعليم الجامعي؟ لكن الأهم هل نحتاج نحن إلى مثل هذه الأرقام لنستوثق من أن تعليمنا الجامعي في أزمة كبيرة؟ أليس ما نراه حولنا من تدن واضح في مستوى خريجي الجامعات المصرية كافياً للشعور بالمشكلة؟

كم عدد المقالات والدراسات والكتب التي كتبت في كشف التدهور في أحوال الجامعات المصرية، وكشف جوانب الفساد فيها، مئات وربما آلاف، وكُتب هذا من عشرات السنين، ومازال يكتب حتى الآن، مع ذلك لم يتوقف التدهور، ولا امتنع الفساد، وفي كل يوم يبتكر الفاسدون طرقاً عجيبة لتكريس ما يفعلون، وللإفلات من العقاب، وهو عقاب لا يطول منهم إلا الأغبياء. فإلى متى تتحمل مصر كل هذا؟

بداية، لا بد من التأكيد علي أن المطروح في مسألة التعليم الجامعي في كثير من الكتابات حلول تقليدية لمشكلة غير تقليدية: إصلاح منظومة التعليم. لم يسأل أحد ممن يطرحون فكرة الإصلاح سؤالاً بسيطاً ساذجاً: من الذي سيقوم بعملية الإصلاح؟ ربما وقر في أذهانهم أن من سيقوم بعملية الإصلاح هم القائمون على أمر التعليم الآن. هل هناك آخرون سيفعلون هذا؟ لكن هذا يستدعي منا أيضاً سؤالاً ساذجاً: هل يمكن لأناس هم جزء من المشكلة، وربما أحد الأسباب فيها، أن يكونوا أيضا مسؤولين عن حلها. هل يمكن أن نأتمن هؤلاء على حل مشكلة التعليم والبحث العلمي، وهم أنفسهم لم يكونوا أمناء فيما ائتمنوا عليه سابقاً.

تحتاج الجامعات إلى حلول غير تقليدية. وظني أن هذه الحلول تبدأ بنسف منظومة التعليم الجامعي القائمة كلها. لا أحب استخدام العبارات النارية، ولا الألفاظ الحماسية، ولا الشعارات الخلابة، لكني لا أجد حلاً آخر لمشكلة التعليم الجامعي غير النسف. بعض من يقرأ هذا المقال سيسئ الظن بكاتبه، وربما بعقله. وسيطرح أسئلة منطقية حول فكرة النسف المقترحة هنا: من سيفعل هذا؟ وما المقصود بالنسف؟ وهل سيكف الطلبة عن تلقي التعليم في الجامعات انتظاراً للمجهول؟ وما الكيان الغامض المبهم الذي تريده بديلاً لما هو قائم؟ وكيف سينُجز؟ وما مدته الزمنية؟ وأسئلة أخرى كثيرة مشروعة ومبررة.

لكن لنقم بتوصيف المشكلة توصيفاً حقيقياً – على الأقل من الزاوية التي أنظر إليها - ثم لنسأل أنفسنا: هل هذا التوصيف منطقي ويعكس واقع الأحوال في الجامعات؟ ثم وهذا هو الأهم: هل نحتاج بعد هذا التوصيف إلى إصلاح للمشكلة الجامعية من داخلها، أم إصلاح لها من خارجها، أي نسف هذه المنظومة التي آلت بالبحث العلمي والطلاب إلى ما نراه؟ ثم بعد ذلك ما البديل الذي يمكن اقتراحه في هذا الصدد.

ولنتفق بدءاً على أن مكونات الجامعة – أي جامعة هي: أستاذ وطالب ومنهج بينهما، ومبنى، ومنظومة لوائح تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع الجامعي، ومصادر تمويل تؤمن الاستمرارية والجودة للمؤسسة الجامعية. وكل هذا يحتاج إلى فهم من زاوية مختلفة، ولنبدأ بالأستاذا الجامعي، هو العنصر الأهم في كل هذا، وعليه مدار العملية التعليمية كلها تدريساً وبحثاً. لنحاول أن نفهم كيف يتكون الأستاذ الجامعي في الجامعات المصرية، وهل يصلح مثل هذا التكوين لأن نأتمنه على حل المشكلة. وهذا هو موضوع المقال القادم إن شاء الله.