في علاقة المعارضة السوريّة مع المكونات السوريّة

الأزمة الديمقراطية السورية تتفاقم، وبوتيرة متصاعدة ومخيفة، خصوصا بعد أن سمع الكُرد السوريون نبأ إصرار "البعض" من المعارضة على موقفه المتزمت من قضايا التعايش المشترك الآن.

رأينا كيف اجتمع البعض لاستنكار دخول المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف ما ينعكس سلباً في إعادة صياغة الدولة في مرحلة مقبلة، ضاربا بكل صيحات التغييريين الديمقراطيين عرض الحائط على أهميّة التئام كل الاطياف السوريّة سياسيّاً ومجتمعيّاً أيضاً، وبعد أن نشرت مقالات وأيضاً "بوستات" الفيسبوكيّة وخاصة من قبل المعارض كمال اللبواني والذي يقول تحت عنوان "خطة طوارئ": "يعطي المشروع الفارسي-الروسي-الأميركي لإيران نفوذا مهيمنا على المنطقة، ويسمح لها بإجراء تغييرات ديموغرافية أكبر وأوسع بكثير من التي جرت بعملية زرع الكيان الصهيوني، من حيث تدمير بلاد الشام العربية وتهجير أهلها واستبدال سكان مدنها الكبرى، مثل حمص ودمشق واللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس وبيروت الغربية وبغداد، ضمن خطة عسكرية إجرامية، متبوعة بممارسة الاضطهاد السياسي، والإفقار الاقتصادي على المدى الطويل، ولا ننسى مدنا مثل الحسكة والقامشلي وكركوك، مهددة هي الأخرى بتغيير ديموغرافي من نمط آخر، والعديد من القرى والبلدات، في غرب دمشق والعاصي وشمال سوريا، ولا ننسى نهب الموارد المستمر كالنفط والغاز والمياه والأراضي الزراعية، أو التمركز الخطير للثروة بيد عصابة وطائفة. وما يترتب على ذلك من دمار وخراب وقتل وتهجير لم يسبق له مثيل في المنطقة"، فضلاً عن انتشار الصدام المسلح ضد الكُرد بدءاً من عفرين (كرداغ) وانتهاءً في أربيل (عاصمة كُردستان العراق) ومروراً بالجزيرة (تفجيرات القامشلي) وغيرها من الصدامات والتي تشي بشيء من الاستهتار بحلم ليس الكُرد فحسب انّما حلم السوريين في تحقيق تطلعاتهم والتي تختصر بسوريا الديمقراطية لكل ابنائها. فمن يتفحص في فحوى تلك المقالات والبوستات (كمال اللبواني وعمر ادلبي) لا يلمس أي تغيير في بنيتها وبنية أصحابها وكأن هذا الحراك لم يحرك أذهان من أضاع الوقت لكتابتها، الأمر الذي يخيب الآمال ويزيد من تدهور أحوال البلاد والعباد.

وبدت انّ هذه المواد المنشورة وممهورة بتوقيع أصحابها مهما تعدلت وقدمت إليها تعديلات من الرؤى والأفكار التقدميّة سوف تبقى عصيّة على فتح آفاق الشراكة السياسية والاجتماعيّة، هذا عدا أنها تغلق الأبواب أمام الحوار الهادئ والمسؤول لبناء وطن الذي ما انفك وصار حلم لجمهور الثورة. ويبدو أن فهم بعض الأوساط في هذا الحيّز من المعارضة لمفهوم الشراكة السياسية والتناول الديمقراطي لقضايانا وشؤوننا لا تختلف كثيراً عن فهم النظام لوجود هذه المكونات التي كانت متجانسة على الشارع الاجتماعيّ (على الأقل)، الأمر الذي يدعونا هؤلاء الذين يُصعب عليهم رؤيانا بطريقة مختلفة مما ساهم ويساهم في البقاء في الدوامة السياسيّة مطلية بالدم لا الخروج منها.

وإضافة إلى ذلك فعدا عن ما قاله اللبواني وتبريره رفض حضور مؤتمر جنيف -2 بـ"أنّ الذهاب إلى جنيف يعني الإقرار بتحويل سوريا إلى دولة مكونات مما يمهّد لتقسيمها" فانّ سليم ادريس زاد من الطين بلة وقال "أنّ وحدة سوريا في خطر" وأشار في هذا الاطار إلى دعوات كوردية إلى الفيدرالية. هذا ما يعني انّ القاع الرافض لدى المعارضة السورية يتسع أكثر، وما ان يظهر الكُرد على السطح حتى تظهر خفايا دواخل مقاربة الشركاء للكُرد وهي غالباً مقاربة سلبيّة.

وبعيداً عن أن صفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبوكيّة ) لبعض المعارضين لم تتطور بعد نحو استيعاب حالات للحيّز كالحيّز الكُردي، وحتى أن قبول الائتلاف لـ"المجلس الوطنيّ الكُرديّ" أتى متأخرا للغاية، فإن شكل الحوار الذي تطرحه المعارضة لا يرتقي إلى شكل مطلوب، حيث تطلعات النخبة الكُرديّة، وذلك تحت ضغط النخبّة المثقفة والسياقات الكُرديّة الناشطة، ورؤيتها للحوار تختلف بمقاس كبير عما تطرحه المعارضة. وشتان ما بين ما تطرحه النخبة الكُرديّة وما تتجاوب معه المعارضة حيث يفصل بينهما بون شاسع، إذ تفهم النخبة الكُرديّة بأن طلب المعارضة ليكون الكُرد جزء من مؤسسة "الائتلاف" مرده تأمين شروط بقائها او انتعاشها وتسويقها دوليّاً ليس إلا في حين مراد الكُرد لهذا الانضمام (الى الائتلاف) هو تمهيد الطريق لبناء عقد سياسي جديد ينقذ المشهد من جهة والوطن من انزلاقات قد لا تحمد عقباها ومن ثم الشروع في فتح آفاق جديدة أمام السوريين جميعا الذين لطالما نادوا بالتغيير من جهة أخرى.

فالانسجام الكُردي مع الائتلاف بهذا الشكل له دلالة سياسيّة ومجتمعيّة وقادرة على التأثير في المزاج الشبابي، والشعبيّ، أو الوطني العام، لكن بشرط ان يقدر الائتلاف رغبة الكُرد ومكونات المجتمعيّة والسياسيّة الأخرى وهي تعاني العذاب أكثر وطأة من كل معارض يعيش خارج البلاد!