كيف حاولت النهضة 'وأد' الثقافة التونسية؟

اليد التي حملت خبز الكرامة قذفت الوزير بالبيض

في مثل هذا اليوم 23 أكتوبر∕تشرين الأول من عام 2011، صعدت حكومة النهضة الإسلامية إلى الحكم في تونس، وكانت "حكومة فاشلة" في مختلف القطاعات، وخاصّة القطاع الثقافي، كما يرى المحلّلون والمراقبون..

وخفّضت ميزانية وزارة الثقافة إلى أكثر من النصف عن السنوات الماضية وأغلقت العديد من الفضاءات الثقافية وعمّت الفوضى والاعتداءات في صفوف الفنانين والمثقفين.

البداية كانت مع حادثة العبدلية ففي 10يونيو/حزيران 2012، تحديدا مع اختتام مهرجان ربيع الفنون بقصر العبدلية بالمرسى (الضاحية الشمالية لتونس العاصمة) قامت مجموعة سلفيّة بتحطيم عدد من اللوحات الفنيّة والتجهيزات بحجّة أنها "مسيئة للإسلام".

ولم تقف حادثة العبدلية عند القصر بل تبعها حالة من الاحتقان في مجموعة من الأحياء الشعبية في العاصمة وسُجّلت أحداث عنف وشغب وصلت إلى حد الإعلان عن حظر التجوال في ثماني ولايات تونسية.

ومن المسائل الجديدة التي ظهرت مع حكومة النهضة، الاعتداءات المتعمّدة على التراث من خلال حرق ونهب الزوايا والأضرحة، حيث تمّ الإعتداء على 114 مقاما إمّا بالحرق أو بالتكسير أو بالتهشيم أو بالسرقة، من هذه المقامات والزوايا نذكر زاوية سيدي بوسعيد الباجي وزاوية السيدة المنوبية وسيدي عبد القادر الجيلاني وزاوية سيدي يعقوب..

ويجمع المراقبون على تورط السلفية الوهابية في كل هذه الاعتداءات والجرائم خاصة لما عُرف عن الوهابيين منذ تكوّنهم من دعوة إلى "تنقية عقائد المسلمين من العادات والممارسات التعبدية المنتشرة في بعض البلدان الإسلامية".

ويقول الناقد السنمائي التونسي خميس الخياطي "إن أول ما يتبادر للذهن هو الاغتيالات السياسية للشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وهي أمور غير معهودة في تونس ثم غياب الثقافة واتّهام المثقفين والفنانين بالكفر والإلحاد في العبدلية ثم موقف وزير الثقافة الذي لم ير اللوحة التي هي غير موجودة أساسا في المعرض".

ويضيف لصحيفة "المغرب" المحلية "في سنتين يحكمون باسم الله يتم قتل المعارضين ويبحث الجيش في جبل الشعانبي وهو أمر لم يحدث حتى في حرب الاستقلال أيضا في عامين من الحكم غابت الدولة ولم يعد لها هيبة".

"ديقاج" أو "ارحل" شعار رفع بقوة في التظاهرات الفنية في وجه رئيس الجمهورية المؤقت محمد المنصف المرزوقي ووزير ثقافته المهدي مبروك.

وفي الحمامات (شمال شرق تونس) رفع الجمهور "ديقاج" بصوت عال أمام القيادي في حزب النهضة الإسلامي عامر العريض والوزير السابق رفيق عبد السلام في حفل الفنانة الأمريكية "نيكول سلاك دجونس" يوم 27 يوليو/ تموز 2012 وتعطل الحفل لحين إخراج العريض وعبد السلام من المسرح ورافقه شعار "النهضة ديقاج".

وتعدّدت الإعتداءات على الفنانين والمثقفين طيلة حكم حزب النهضة الإخواني، نذكر على سبيل الذكر لا الحصر اعتقال الشابين شاهين بالريش" و"أسامة بوعجيلة" من حركة زواولة، وهي حركة ثقافية، على خلفية رسوم غرافيتي مناوئة للحكومة، وتمّ توجيه ثلاث تهم لهما وهي "خرق قانون الطوارئ" ونشر أخبار زائفة تخل بالأمن العام، والكتابة على عقارات عمومية دون رخصة، قضية زواولة تحولت إلى قضية رأي عام وساندتها المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية لتكون نتيجة الجريمة المضحكة عدم سماع الدعوى.

وفي الكاف (الشمال الغربي التونسي) تمّ الاعتداء على مجموعة "فني رغما عني" من ثمة اعتقالهم واقتيادهم إلى مركز الشرطة بالجهة على خلفية تقديمهم لعمل مسرحي حول الشهيد التونسي شكري بلعيد بعنوان "قتلوه"، اعتداء وُجهت فيه تهمة "الخدش من الحياء" للممثلين المسرحيين.

وتواصلت الإيقافات وشملت "ولد الكانز" مغني الرّاب على خلفية أغنية ضد رجال الأمن، ثم اعتقل مغني الراب كلاي bbj في سيبتمبر/أيلول 2013 بتهمة إهانة الشرطة وحوكم بستة أشهر سجنا، ليطلق سراحه بعد حكم محكمة الاستئناف بقرمبالية بعدم سماع الدعوى في 10 أكتوبر الفارط.

وفي باب الإيقافات تعد قضية المصور الصحفي لموقع "اسطرلاب تي، في" الإيقاف الحدث لأنه أوقف بسبب انجازه لعمله، ومراد أودع السجن لأنه التقط حادثة رشق نصر الدين السهيلي لوزير الثقافة ببيضة، مراد الحرزي أودع السجن، وقد ثار الشارع الثقافي في تونس وأطلقت حملات "سيّب مراد" أي "دع مراد"، التي طالبوا فيه القاضي بتبرئة المصوّر الصحفي واعتبر الائتلاف المدني أن سجن المحرزي هو انتهاك صارخ لحرية العمل الصحفي ومحاولة جديدة لضرب حرية التعبير وترهيب الإعلاميين وإثنائهم عن القيام بواجبهم المهني.

وأجرى المعهد التونسي للدراسات بتاريخ 30 سبتمبر/ أيلول 2012 استطلاع، كشف عن تخوف 78٪ من المستطلع آرائهم من انتشار السطوة السلفية في تونس، فيما أوضح 82٪ من المستجوبين أن الحكومة لم تتخذ الخطوات الأزمة لوضع حد لمشكل سطوة "السلفية" في المشهد الثقافي.

ورشق وزير الثقافة التونسي يوم 25 أغسطس/ آب 2013 ببيضة يوم أربعينية الفنان التونسي عزّوز الشناوي، في حركة احتجاجية ضدّ السياسة الثقافية في تونس، وقد قام بهذه الحركة الاحتجاجية نصر الدين السهيلي منتج الشريط التونسي "بلعيد الشهيد السعيد"، حيث زُجّ بعدها السهيلي.

ورأى الشاعر التونسي عدنان الهلالي أنّ تونس عاشت طيلة هذه الفترة تخبطا ثقافيا بسبب عدم وجود برنامج أو رهان فكانت بعض المكاسب الشخصية إذ ركب بعض الموهوبين هذا الحدث و حققوا أرباحا مادية بفضل أعمال مباشراتية مرتجلة، كما تميزت هذه الفترة بنزوح الفنانين إلى الجهات الداخلية لتقديم أعمال غلب عليها التملق الثورولوجي في إطار ما يسمى "بالتضامن مع معاقل الثورة".