الأسد هو ضحية فكرتنا عنه

في حديثه عن امكانية ترشحه للرئاسة في انتخابات عام 2014 بدا الرئيس السوري بشار الأسد كما لو انه يرى أن أزمة سوريا يمكن اختزالها في سؤال واحد هو "مَن سيكون الرئيس المقبل؟"

وهو ما يذكر بحديث بعض المعارضة عن نظام سياسي لن يكون الأسد موجودا فيه. وهو ما يعني بالنسبة لذلك البعض أن غياب الأسد سيؤشر نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة من التاريخ السوري، يكون الخيط الفاصل بينهما مستلهما من انقضاء الحاجة إلى وجود الفرد الذي يحكم بإسم العائلة.

لا الأسد ولا ذلك البعض من معارضيه قد أدركا حتى هذه اللحظة من زمن العصف الذي تعيشه سوريا والذي يكاد يقتلع كيان الدولة الهزيل فيها أن الأزمة التي تحولت إلى حرب طاحنة، صارت سوريا تستقبل افواج المشاركين فيها لا تتعلق بشخص مَن يحكم، بل بمفهوم الحكم وعلاقة الحاكم بوظيفته.

لقد شهدت دول ما سمي بالربيع العربي انهيارات سريعة لمنظومات الحكم القديمة. ذهب بن علي إلى المنفى. لا يزال مبارك يقبع في السجن. قتل القذافي بطريقة وحشية. انزوى صالح في بيته. سبقهم صدام حسين إلى حبل المشنقة بعد أن خاض بنفسه فصول محاكمته التي اختلطت فيها المأساة بالكوميديا.

ما الذي تغير؟

كانوا رموزا معبأة بكل ما يحتاجه الخيال الشعبي من صفات يرى أنها ضرورية لكي تلصق بفرد بعينه من أجل تبرير وتفسير وجوده في الاعالي، حيث السلطة التي لا تمس ولا تتعرض للمساءلة ولا يمكن التفكير في الانقلاب عليها، فمن خلالها تمتزج القوة العمياء بهالة التقديس الاعمى هو الآخر.

كانوا رموزا وليسوا أفرادا. لذلك كان سقوطهم هو الآخر رمزيا.

مع سقوط صدام والقذافي لم تسقط دولة الفرد بل سقط مفهوم الدولة.

حين اختفى بن علي بدا كما لو أنه اختطف ملفات الكيان التونسي الموحد. شيء كان يوحد تونس اختفى معه.

قد يكون حسنى مبارك هو الأشد من بينهم اقبالا على الضحك الساخر من الارادة الشعبية التي صارت تنقلب على نفسها وتنقض على قراراتها بين لحظة وأخرى من غير أن تتذكر أنها كانت مستغرقة في نومها طوال ستين سنة.

لا تزال الأسباب التي صنعت طغاتنا قائمة. ليست للطغاة نسخ أصلية وأخرى زائفة. الطغاة كلهم عبارة عن نسخ ورقية، يمكن حرقها في أية لحظة. أما الأصل فانه يقيم في ثقافة شعبية لا تجد خلاصها إلا عن طريق النظر إلى الاعالي، هناك حيث يجلس الفرد المخلص، الذي هو صورة مستنسخة من الامام الغائب، المهدي المنتظر.

هناك سؤال شعبي يمكنه أن يلخص الوضع المحرج الذي انتهت إليه ثقافة من هذا النوع. يقول السؤال "إذا راح الاسد، مين بدو يحكم البلد؟" وهو سؤال يتعلق بالفرد ولا يتخطاه إلى طبيعة الخدمة الوظيفية التي ينطوي عليها مفهوم الحكم.

لذلك فان ايا من الرؤساء العرب الذين أزيلت صفاتهم الرئاسية عنهم بالقوة لم يكن يتخيل نفسه في موقع، لا يكون رئيسا فيه. لقد خلق صدام حسين مثلا ليحتل وظيفة رئيس دولة. وهو الوهم نفسه الذي يتلبس نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي اليوم. لا يمكن للمالكي أن يتخيل نفسه جالسا بعيدا عن القصر الرئاسي.

العقدة نفسها تتكرر وإن اختفى المريض. هناك مريض يحل محله بقوة الاعراض المرضية نفسها. وهي عقدة مكتسبة، يغرزها المجتمع في شخص يمتلك الاستعداد لكي يكون حاضنة لها.

ما كان أحد من العراقيين يتخيل أنه سيلتقي يوما ما في السوق بمواطن اسمه صدام حسين كان يوما ما رئيسا للدولة. يصح هذا المثل على الاسد وهو يفكر أنه لم يخلق إلا لكي يكون رئيسا لسوريا.