بغداد... الأبناء من العباسيين إلى «الدَّعوتيين»!

كان حديث رئيس الوزراء وأمين حِزب الدَّعوة الإسلامية، نوري المالكي لقناة «السومرية» في برنامج «حديث الوطن»، مع الإعلامي غزوان جاسم، عابراً كلَّ ما شهدته بغداد في تاريخها مِن انحطاط السُّلطة. إنها أغرب الغرائب أن يقوم الابن بمهام وزارات الدفاع والداخلية والأمن، الابن الذي لم يُعرف ما هو عمله! فقد جرت العادة أن يعلن الملوك والرؤساء أبناءهم أولياء عهود أو أصحاب مناصب، وهم ملوك ورؤساء غير منتخبين، أي لم يدعوا الديمقراطية إنما كانوا صُرحاء في الاستبداد، لكن مع ذلك لم يتجاوز أحدهم ويحِلَّ ولدَه محل الجيش والشرطة والأمن.

كتب الرَّحالة بنيامين التطيلي (ت نحو 569 هـ) في رحلته إلى بغداد زمن الخليفة المستنجد بالله العباسي (اغتيل 566 هـ)، وقد زار قصور الخلفاء وشاهد مراسم الخلافة ولحظة إطلالة الخليفة على رعيته، ومما قاله في أبناء العباسيين: «وجميع الأُمراء من بيت الخلافة معتقلون في قصورهم الخاصة، وراء سلاسل من الحديد، وعليهم الحراس الموكلون بهم». يعطي بنيامين تعليلاً لهذه الظاهرة أو ما سمعه حولها، قائلًا: «لكي لا يعلنوا العصيان على كبيرهم الخليفة، فقد حدث لأحد أسلافه أن تمرد إخوته وبايعوا لأحدهم بالخلافة، ومِن ذلك اليوم جرت العادة بالحجر على أفراد بيت الخلافة كافة، لكي لا يتمردوا على سيد البلاد» (رحلة بنيامين التطيلي- بغداد).

بعدها تأتي رواية محمد بن أحمد المعروف بابن جُبير (ت 614 هـ)، وكان قد زار بغداد (580 هـ)، وحضر مجلساً للواعظ ابن الجوزي (ت 597 هـ)، وكان الخليفة الناصر لدين الله (ت 622 هـ) ووالدته يطلان على مجلسه من شرفة خاصة. قال الرحالة: «دار الخلافة وكفاها بذلك شرفاً واحتفالاً، ودور الخليفة مع آخرها، وهي تقع منها في نحو الرُّبع أو أزيد، لأن جميع العباسيين، في تلك الديار، معتقلون (هكذا وردت) اعتقالاً جميلاً، لا يخرجون ولا يظهرون، ولهم المرتبات القائمة» (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار).

ثم تأتي الرواية عند محمد بن علي المعروف بابن الطقطقي (ت 708 هـ)، ويغلب على الظن أنه لا ابن جبير ولا ابن الطقطقي قد اطّلعا على رحلة بنيامين، لأنها، إن لم أكن مخطئاً، قد ترجمت أول مرة عن العبرية إلى العربية مِن قِبل عزرا حداد (ت 1972) ونشرت (1945). قال: «كانت عادة الخلفاء، أكثرهم، أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم، وبذلك جرت سنتهم إلى آخر أيام المستنصر، فلما ولّي المستعصم (آخر الخلفاء) أطلق أولاده الثَّلاثة ولم يحبسهم» (الفخري في الآداب السلطانية).

لم يتحدث التاريخ عن أبناء سادوا في ظل آبائهم، إلا ولاة العهود ومَن تولوا المناصب المذاعة على الناس، ولم يتحدث عن دور لأبناء الولاة العثمانيين، فربما كانت ولم نطلع عليها، لكن منذ بداية العهد الملكي كانت الأمور مكشوفة، فالأمير غازي بن فيصل الأول (قتل 1939)، وهو ولي عهد أبيه، لم يُميز عن بقية زملائه. يقول زميله في الكلية العسكرية ومرافقه، فيما بعد، فؤاد عارف (ت 2010): «كان غازي، رحمه الله، مريضاً فعلاً عندما راجع الطبيب، معنا كنا نحن متمارضين، وقد أعطاه الطبيب استراحة، ولما عُدنا إلى الكلية وقد مُنحنا الاستراحة، أخذ معاون آمر الكلية... ورقة الاستراحة من يد غازي، ومن دون أن يتأكد من حالته، سحبه من يده وأرسله إلى التدريب حالاً» (المذكرات). هذه واحدة من القصص التي سردها عارف عن الأمير غازي وشدة والده عليه.

كذلك لم يُذكر لرئيس وزراء في العهد الملكي (1921-1958) أن تنمر ولده على الناس، أو قام بمهمة ليست من عمله، وأخبار صباح ابن رئيس الوزراء نوري سعيد (قُتل 1958) معروفة لدى العراقيين آنذاك، كان طياراً وأساء التصرف فطرد من الجيش، وآخر ما تولاه إدارة السكك الحديدية. نعم كان هناك مِن الأبناء من يستغلون نفوذ الآباء لكن على حياء.

أما عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) فيذكر مدير الاستخبارات محسن الرُّفيعي (ت 2006)، أنه كان شديد الحرص على متابعة سلوك أفراد أسرته «وعدم السَّماح لأي منهم باستغلال علاقاتهم لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية، وذات مرة رفع إليه الأخ مدير الأمن العام تقريراً يقول فيه: إن ابن أخيه المرحوم حامد قاسم، الصغير كان في الليلة السَّابقة في أحد الملاهي... فنهض وقال لي: تعال معي، فخرجنا بسيارته (إلى) دار شقيقه حامد، فدخلها وأمرني بالدخول معه... وبعد أن أصبح الولد بين يديه أشبعه ضرباً وسباً، وحذره من تكرار تصرفه هذا» (الرفيعي، أنا والزعيم)، خشية استغلال صلته به.

كذلك لم يعرف أي نفوذ أو دور لأحمد عبدالسَّلام عارف، ولا لقيس عبدالرحمن عارف أو إخوتهما، لكن الميزان مع الأبناء قد اختل بعد 1979، وبعد أن شبّ عدي وقصي صدام حسين (قُتلا 2003)، حتى اختصرت السُّلطة الفعلية بالأقارب والأبناء، وحصل ما حصل من موجعات، ومَن يخفف مِن سوء تلك الأيام، بعذر ما يحصل الآن، يغفل أن هذه النَّتيجة مِن ذلك السَّبب!

هذا ولم يظهر رئيس جمهورية ولا رئيس وزراء، في عهد «البعث»، يتحدث عن بطولات ولده، مثلما فعلها أمين «الدَّعوة»، متحدثاً عن ولده الذي قاد القوات لاعتقال أحد سكنة المنطقة الخضراء، الذي -حسب المالكي- كان لديه عمارات ومليارات الدنانير (لا تسغربوا ربَّما دولارات) وأسلحة بكواتم الصَّوت. ركزوا على «كواتم الصَّوت»! أليست هذه شهادة من رئيس الوزراء؟ إنها تخرج مِن عرين الوزارة، ولماذا أحمد المالكي القائد، وما هي قوة العاصي على مليون عسكري صُرفت عليهم عشرات المليارات مِن الدولارات، منذ ولاية «الدَّعوة» لرئاسة الوزراء؟

حسب المالكي، الجيش كله يخشى صاحب الكواتم إلا أحمد الذي لا يعرف العراقيون ما هي وظيفته، وكان وراء سؤال مقدم البرنامج عن سبب عدم إلقاء القبض على المطلوب: «هل لأنه صاحب أحمد»؟! حقيقة أخرى! ولم ينف المالكي ما جاء في السؤال، والجواب عند الفرزدق (ت 110 هـ): «وأن أبا الكرِشاء ليس بسارقٍ/ ولكنه ما يسرق القوم يأكلُ» (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة).

تأكدتم أن «الخضراء» مشاركة في دماء العراقيين وفي الفساد الطاغي! قصص الأبناء ببغداد ذات شجون، من العباسيين إلى يومنا هذا، إلا «الدُّعاة أمرهم أمر»، نفوذ أولادهم قد فاق الرواية والدِّراية! وفي زمن «دولة القانون»!