هل يعود العرب لرشدهم بعد سقوط النظريات الأميركية؟

الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة مؤخرا من فتح باب حوار واسع مع الإيرانيين، والتجاوب الذي ابداه الإيرانيون إزاء ما كانوا يصفونه بالشيطان الأكبر، دفع المراقبين إلى التساؤل عما تريده واشنطن بالضبط؟

اندفعت الإحتجاجات والإجتهادات على شاشات الفضائيات تتطوع بالتفسير الذي لم تنجح فيه من قبل! فتشاهد محللا يقول أن إيران ستكون مركز الثقل الجديد في الخليج العربي، وستحاول واشنطن ترويضها وتطويعها لتكون قوة نووية شبيهة بباكستان! ويقول اخر أن خلاف اميركا مع السعودية والإمارات دفعها إلى تحريك مخاوف دول الخليج من الوحش القاطن إلى جوارهم، بينما يذهب آخرون إلى الزعم بأن أميركا تحاول أن تجد في إيران ما فقدته في مصر بعد سقوط الأخوان المسلمين. أميركا تريد أن يكون حليفاها الإسلاميان القويان تركيا وإيران على وفاق مع بعضها ومع إسرائيل أيضا التي ترقد بيني فكي كماشة إسلامية!

والحقيقة أن الوضع خلاف كل تلك الأجتهادات، فقد تنبهت واشنطن – مؤخرا – إنها عاشت في واقع افتراضي صنعته الميديا التابعة لإسرائيل، ومزاعمها حول القنبلة النوويه الإيرانية التي تهدد العالم، بالإضافة إلى تقارير المخابرات الأميركية والغربية الفاقدة للمصداقية حيث زعمت أن الأسد سيسقط خلال أسابيع قليلة وأن الجيش السوري سينقلب عليه أو سينهار أمام الجيش السوري الحر، وأن العقوبات المفروضة على إيران ستدفعها للاستسلام ولن تستطيع مساعدة سوريا حليفتها الأقرب.. بالإضافة إلى مزاعم الإعلام والمخابرات التي راحت تدعي أن روسيا والصين ستغيران موقفهما ويلحقان بالتحالف المناهض لإيران وسوريا. وقد بني هذا الافتراض أو التصور على أساس التجربة الليبية وتغيير بكين وموسكو موقفهما من نظام القذافي الذي كان ايضا نظاما إفتراضيا رغم واقعية وهمجية المآسي التي خلفها.

ابعد من ذلك، وضعت اميركا الخطط كلها على أساس أن هناك بديلا للنظام السوري والأنظمة العربية التي انهارت في دفء "الربيع العربي". من الخطط ايضا أن العالم العربي ومحيطه التركي والإيراني إسلامي، فلا بد إذن من التحالف مع الإسلاميين، خصوصا بعد وصولهم إلى السلطة في تونس ومصر وليبيا. وفي التجارب الأميركية تفترض واشنطون أن الإسلام السياسي ليس معاديا، فضلا عن أنه يؤمن باقتصاد السوق، وها هو حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في أنقرة يمثل النموذج الساطع لهذا الإسلام الذي يستبعد إيران، لا بل يعاديها، وينتهج سياسة "ليبرالية" أقرب إلى الغرب ولا يعادي إسرائيل. وها هو محمد مرسي في مصر شديد الحرص على الاتفاقات مع الدولة العبرية، وقد حيد حركة حماس عن الصراع المسلح، ويستطيع مع أردوغان ان يلعب دورا كبيرا في المواجهة مع طهران، وإعادة تموضع سوريا والمنطقة كلها، بدعم شعبي لا يخلو من القداسة.

هذا كان واقع الإعلام الإفتراضي، أما الواقع على الأرض فكان مختلفا تماما. الاسد لم يرحل. مرسي لم يصمد في الحكم أكثر من سنة. الإسلام السياسي الذي راهنت عليه واشنطن ودعمته أثبت أنه ليس مقدسا ولا يمثل الشعوب العربية التي تطورت بعد مرحله الاستعمار. وقد برزت في العالم العربي دول مهمة، بينها السعودية، لا تريد وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، وتسعى جاهدة إلى إبعادهم عن السلطة في أي بلد.

أكثر من ذلك، أتضح أن الإسلام السياسي فرق مختلفة بإختلاف المجتمعات الحاضنة، وأن التطرف والعنف الأعمى سبيلهم الوحيد لإقامة الخلافة و"العدل" والعودة مئات السنين إلى الوراء لفرض تفسيرهم السياسي البسيط للدين على واقع في غاية التعقيد.

تجاوز الإعلام الإفتراضي كل هذا ليخلق صورة أخرى للواقع، لكن المآسي والحروب فجرته. وتأكد أن السياسة لا تبنى على أساس التمنيات، وها هي الولايات المتحدة تعود إلى براجماتيتها فتذهب للقاء الإيرانيين في جنيف، فهل يعود العرب (أكاد أضع هذه الكلمة بين قوسين) إلى الواقع ليتفادوا المزيد من تدمير بلدانهم، أم سيبقون معلقين بالشاشات وبعالمهم الإفتراضي.

علي العرب أن يلتفتوا أكثر إلى واقعهم وأحوالهم السياسية والاقتصادية. انهم قوة إقتصادية وسياسية كبرى لا ينبغي أن ترهن قرارتها بأحد أو تتحالف مع من يغيرون بوصلتهم كل صباح. نريد بوصلة عربية قوية تتجه إلى المصلحة العربية والقومية وتنفصل عمن سواها من قوى عظمي متقلبة الأهواء والمصالح والاهتمامات.