فوضى سوريا هي حلم عراقي

إذا صحت الرواية التي يزعم متبنوها أن النظام العراقي متورط في تهريب مئات من مقاتلي القاعدة من المسجونين في سجني ابو غريب والتاجي القريبين من بغداد وتسهيل عملية دخولهم إلى الاراضي السورية فان تلك الرواية تجعلنا نستعيد رواية سبقتها، وهي التي تؤكد أن النظام الايراني كان دائما يرعى ويمول ويسلح فصائل بعينها من تنظيم القاعدة

فالعمليتان الجريئتان التي قيل أن القاعدة نفذتهما ونجحت عن طريقهما في اختراق أسوار السجنين الحصينة والوصول إلى العنابر واطلاق سراح السجناء واقتيادهم بسلام إلى جهات مجهولة ما كان يمكن أن تتم من غير تواطؤ محكم بين المسؤولين عن السجنين والمجموعات المسلحة المهاجمة.

يمكننا أن نصدق أن النظام العراقي يفعلها إذا ارادت منه طهران ذلك.

ولكن ذلك النظام الطائفي الذي سبق له وأن سير قوافل مقاتلين شيعة إلى سوريا للمشاركة في القتال إلى جانب قوات الجيش النظامي اسوة بمقاتلي حزب الله اللبناني كيف يمكنه أن يفسر لإعوانه على الأقل (هو نظام يقف خارج محيط المساءلة القانونية) قيامه بتيسير وصول مقاتلين سنة إلى الاراضي السورية للقتال ضد الجيش النظامي؟

هل هناك واقعيا ما يفسر ذلك الموقف المزدوج؟ المنطق الابله وحده يضع الامور بين كفتي ميزان: اما القاعدة واما أبو فضل العباس وهي كتائب شيعية عراقية يقال إنها تقاتل إلى جانب النظام.

الواقع يقول إن الحرب في سوريا لم تعد ومنذ زمن طويل تتبع شروط ذلك المنطق. لم يعد السؤال اليوم مَن يقاتل مَن؟ بل صار السؤال هو مَن يسبق مَن؟ سوريا بلد منتهَك. أبوابه مفتوحة على مصاريعها لكل فرق الموت، الميليشيات، القتلى أفرادا وجماعات، المرتزقة القادمين من كل مكان. امتزجت الرايات السوداء والصفراء بالنداءات الدينية التي صارت ترفع كذبا لتلقي ببلاد الياسمين عنوة في عتمة كهوف تورا بورا. أكان ضروريا ذلك الغبار الأسود (معنى كلمة تورا بورا بالعربية) ليعلن النظام العراقي أن لا فرق بين شيعي وسني في الذهاب إلى سوريا ما دام الهدف واحدا: تدمير سوريا.

كان دخول جبهة النصرة وهي التنظيم الديني المتشدد الاول الذي أعلن عن وجوده في ساحات القتال ضد النظام ايذانا بتدمير الثورة السورية. وإذا ما كان بعض المعارضين قد دافعوا في البدء عن ذلك التنظيم فهم اليوم لابد وأن يشعروا بالندم بسبب أفكارهم الساذجة.

يدفع السوريون الذين يقيمون في المناطق التي وقعت تحت سيطرة الميليشيات الدينية التابعة لتنظيم القاعدة وسواها ثمن موافقة سياسيي المعارضة على أن تكون دولة قطر، وهي الراعية الأولى لفصائل المجموعات الدينية المتشددة في العالم المشرفة على الوجود السياسي والعسكري السوري المعارض.

لقد احتكرت قطر القرار السوري المعارض زمنا طويلا، وهو الامر الذي تسللت بسببه ومن خلاله مجموعات الارهاب الاسلامي إلى سوريا لتقيم اماراتها ولتقاتل قوى الالحاد، التي لا تهمها هويتها، من النظام كانت أم من معارضيه. وهذا ما اكدته الحروب التي صارت تشهدها الكثير من المناطق السورية بين المجموعات الدينية المسلحة وبين الجيش الحر.

ما الذي يضر بالنسبة للنظام العراقي أن يلقي بألف من عتاة المجرمين في نار الحرب في سوريا، خاصة وأن ذلك الالف من المقاتلين الأشداء والممتلئين كراهية للجميع لن يؤثر وجوده على ميزان القوى، بقدر ما يرهق الشعب السوري ويدفعه إلى أن يكره الحرية التي حلم بها فإذا بها تحمله أعمى إلى الجاهلية.

سيكون كل شيء متوقعا.

فالنظام الحاكم في العراق والذي يحرص على تقديم انتمائه الطائفي على انتمائه الوطني (إن كان هناك شيء من ذلك الانتماء) يهمه أن لا تكون هناك دولة مدنية في سوريا. ولإنه ينظر باعتزاز إلى النموذج العراقي، فإنه يسعى إلى تصدير ذلك النموذج إلى سوريا.

فوضى سوريا هي حلم عراقي.