'عرض البحر' يتخطف ارواح المهاجرين في رحلتهم للفردوس الاوروبي الموعود

الحصن الاوروبي يتمنع على قوارب الهاربين بارواحهم

جوهانسبرغ - يفقد الكثير من المهاجرين حياتهم أثناء محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط على متن قوارب مكتظة وغير صالحة للإبحار منذ عدة سنوات، ولكن حتى قبل أسبوعين، نادراً ما كانت وفياتهم تتصدر عناوين الصحف؛ إذ لم يكن من السهل تجاهل الحجم الهائل للمأساة التي وقعت قبالة سواحل جزيرة لامبيدوسا الإيطالية في 3 أكتوبر/تشرين اول.

كان القارب، الذي انطلق من ليبيا وهو يحمل ما يقرب من 500 طالب لجوء من اريتريا، على بعد نصف ميل فقط من ساحل لامبيدوسا عندما اشتعلت فيه النيران وغرق، وحتى الآن، انتشلت السلطات الإيطالية أكثر من 350 جثة من المياه.

عجلت الكارثة بإجراء الكثير من النقاش حول ما ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه عمله لمنع المزيد من الخسائر في أرواح المهاجرين في عرض البحر، حيث لقي عشرات اللاجئين السوريين والفلسطينيين حتفهم في 11 اكتوبر/تشرين اول عندما انقلب قارب آخر بين مالطا ولامبيدوسا، وفقاً لما ذكرته شبكة الأنباء الإنسانية "إيرين".

ومقارنة مع العام الماضي، شهد عام 2013 زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر الى إيطاليا ومالطا. في حين وصل حوالي 15 الف مهاجر إلى الدولتين في عام 2012، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نجح أكثر من 32 الفاً في الوصول إليهما حتى الآن هذا العام.

وهذا الارتفاع في أعداد المهاجرين الذين يسلكون ما يسمى بطريق وسط البحر الأبيض المتوسط - الذي عادة ما تبدأ الرحلة فيه من ليبيا، ولكنها قد تشمل أيضاً أولئك القادمين من مصر والساحل التركي - ليس غير مسبوق. ففي أعقاب انهيار الأنظمة الحاكمة في تونس وليبيا لجأ 60 الف مهاجر إلى السفر عبر هذا الطريق.

وتشير تقديرات الموقع الايطالي على الإنترنت "حصن أوروبا"، الذي يتتبع حالات الوفاة في أوساط المهاجرين، إلى مصرع ما يقرب من 20 الف شخص حاولوا اختراق الحدود الأوروبية منذ عام 1988.

وركزت معظم المناقشات منذ وقوع المآسي الأخيرة على زيادة قدرات البحث والإنقاذ، واقترحت سيسيليا مالمستروم مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي توسيع دور وكالة فرونتكس التي تتولى مراقبة حدود الاتحاد الأوروبي.

ويمكن أن تزيل مثل هذه الخطوة الغموض الحالي بشأن تحديد البلدان التي تعتبر مسؤولة عن إنقاذ القوارب المعرضة للمحن والمناطق التي يجب أن ينزل إليها ركاب هذه القوارب. لكن الدول الست الأعضاء التي تمتلك سواحل على البحر الأبيض المتوسط أبدت بالفعل معارضتها للائحة المقترحة التي ستحكم العمليات التي تتولى فرونتكس تنسيقها، بحجة أن القوانين الدولية تحدد بالفعل طرق التعامل مع مثل هذه الأمور.

وقال كريس بوليت، أحد كبار مسؤولي الشؤون القانونية والسياسية في المجلس الأوروبي المعني باللاجئين والمنفيين لـ"ايرين" آفاق تبنيه في المستقبل القريب محدودة للغاية، فليس هناك مؤشر حقيقي على أن هذه ستكون لحظة حاسمة.

وفي الوقت نفسه، وافق البرلمان الأوروبي لتوه على تنفيذ برنامج جديد يستخدم تقنية متطورة لمراقبة الحدود يسمى نظام مراقبة الحدود الأوروبية.

وسيقوم هذا البرنامج بتنفيذ نظام لرصد حدود الاتحاد الأوروبي وتقاسم المعلومات بين مختلف وكالات أمن الحدود الوطنية. وسيستخدم النظام لتحديد قوارب المهاجرين التي تتعرض لمحنة بسرعة أكبر، ديسمبر القادم.

ومع ذلك، أشار فيليب أمارال من خدمة اللاجئين اليسوعية إلى أن نظام مراقبة الحدود الأوروبية كان قيد الإعداد لعدة سنوات، أي قبل وقوع المأساة الأخيرة في لامبيدوسا.

وأضاف أن "الركيزة الأساسية الحقيقية لهذا النظام هي تشديد الرقابة على الحدود ومنع الهجرة غير النظامية، واستخدام صور الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار".

وأضاف "المنتج الثانوي يمكن أن يكون إنقاذ المزيد من الأرواح في عرض البحر، ولكنه لا يرسم خطوطاً واضحة تحدد البلدان المسؤولة عن قوارب المهاجرين التي تواجه محنة".

وعبر عن أسفه لحقيقة أن لوائح نظام مراقبة الحدود الأوروبية لا تشمل صيغة من شأنها أن تعفي ربابنة السفن من المسؤولية الجنائية عند إنقاذ قوارب المهاجرين.

وأكد أن ربابنة السفن "في إيطاليا، يترددون كثيراً قبل إنقاذ السفن التي تتعرض لمحنة لأنهم يخشون، التعرض للمحاكمة بتهمة مساعدة الهجرة غير الشرعية".

وقال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس في بيان أصدره يوم 12 أكتوبر/تشرين اول "من المخزي أن نشهد غرق المئات من المهاجرين واللاجئين الذين لا يدركون خطورة ما يفعلون على حدود أوروبا".

وأعرب عن القلق بصفة خاصة من أن طالبي اللجوء السوريين كانوا من بين ضحايا مآسي القوارب الأخيرة قائلاً: "فروا من الرصاص والقنابل ليلقوا حتفهم حتى من قبل أن يتمكنوا من طلب اللجوء".

وفي غياب أي اتفاق على مستوى الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط، أعلنت إيطاليا في 14 أكتوبر/تشرين اول أنها سترفع كثافة تواجدها الجوي والبحري بمعدل ثلاثة أضعاف في جنوب البحر الأبيض المتوسط بغرض الاستجابة بشكل أفضل لاحتمال تحطم السفن. وفي اليوم التالي، أشارت السلطات الإيطالية إلى إنقاذ 370 مهاجراً من ثلاثة قوارب في المياه الواقعة بين ليبيا وصقلية.

وضمت مفوضة الاتحاد الأوروبي مالمستروم صوتها إلى صوت منظمات حقوق المهاجرين التي ترى أنه على المدى الطويل، الطريقة الوحيدة لإثناء المهاجرين وطالبي اللجوء عن دفع المال للمهربين لنقلهم عبر البحر الأبيض المتوسط في سفن متهالكة هي توفير المزيد من السبل القانونية التي تتيح لهم دخول أوروبا.

وأكد بوليت من المجلس الأوروبي المعني باللاجئين عدم وجود أي استعداد يذكر لدى الدول الأعضاء حتى للانخراط في نقاش حول فتح القنوات القانونية لذوي المهارات المتدنية من المهاجرين وطالبي اللجوء لدخول أوروبا.

وقال "النقاش كله يتركز الآن على زيادة قدرات البحث والإنقاذ ومحاولة منع الهجرة غير النظامية. إنه يركز بشدة على أعراض المشكلة، بدلاً من معالجة أسبابها الجذرية".