التعديل 'السرّي' للدستور يثير جدلا سياسيا حادا في الجزائر

قوانين على قياس شخص

الجزائر ـ تخوض أحزاب وشخصيات سياسية جزائرية هذه الايام معركة حول التعديل المرتقب على الدستور الجزائري حتى من قبل أن تعرف محتوى هذا التعديل.

وانتهت لجنة تقنية معينة من قبل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في "سرية تامة" من اعداد وثيقة محتوى التعديل الدستوري.

وقال بعض السياسيين الجزائريين المعارضين إنه سيكون من الخطأ تعديل الدستور قبل 5 أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية. ويدعو هؤلاء إلى تأجيل البتّ في المشروع إلى ما بعد الانتخابات حتى يكون الرئيس المقبل قادرا على العمل واتخاذ القرارات المصيرية للبلاد بحرية، بينما يقول الموالون لبوتفليقة من أنصار العهدة الرابعة إن "الظرف مناسب للتعديل لتعزيز السلطة القائمة ومواجهة التحديات المحيطة بالبلاد".

ويقول مراقبون إن هذه المواقف السياسية المتباعدة والمتناقضة حتى من قبل أن تعرف محتوى التعديل الدستوري تؤشر إلى أن هذا التعديل لن يلق "الإجماع أو التوافق" حوله وأن البلاد مقبلة على صراعات قد يحسم الخلاف بشأنها خارج ما هو معتاد في لعبة الاختلافات داخل نظام ديمقراطي.

وأمر الرئيس بوتفليقة بإجراء دراسة لما يتوجب تعديله في الدستور دون أي نقاش مع الفرقاء والمعارضين لسياساته، بما يعني أنه يريد وضعهم أمام الأمر الواقع وفرض عليهم ما يراه هو مناسبا في هذه التعديلات ولعل أهمها السماح له بخوض مدة رئاسية رابعة غير ممكنة وفقا للدستور الحالي بصيغته غير المعدلة.

وتقول الأحزاب المعارضة إن مشروع التعديل الدستوري يثير مخاوفها، ليس فقط لأنه تم إحاطة محتويات مشروع التعديل الذي بادر به بوتفليقة بسرية مطلقة، وإنما أيضا لموعد تمريره للمصادقة عليه قبل أشهر فقط من نهاية عهدة الرئيس المريض وعدم وضوح الرؤية حول الانتخابات الرئاسية.

ويجمع السياسيون الرافضون للتعديل الدستوري ولتوقيته على ضرورة أن يكون الدستور على مقاس البلد وليس على مقاس شخص يريد ان يحكم، ويقولون إن هذا الدستور يجب أن يكون دائما وليس مؤقتا ومعرّضا للتعديل مع أول رئيس جديد للجزائر قد يخلف بوتفليقة. وفي هذا الإطار، ترى الكثير من الأحزاب أن الظرف غير مناسب لتعديل الدستور بالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي قد تفرز رئيسا جديدا، خصوصا في ظل استمرار مرض الرئيس بوتفليقة، قد يجد أمامه دستورا تم "تفصيله" لغيره.

وقال وزير الاتصال السابق ورئيس حزب الحرية والعدالة محمد السعيد إن "تعديل الدستور يتم في الوقت الضائع، ودون جدوى سياسية" واعتبر الأمر بأنه يرتقي إلى مستوى الخطأ السياسي، مذكرا بأن الرئيس بقوتفليقة اعتاد على مثل هذه التعديلات المتسرعة في الدستور اي قبل ستة أو خمسة أشهر من الانتخابات، تماما مثلما فعله في سنة 2008 بينما كان يعد نفسه لانتخابات 2009.

وقال الرئيس الجزائري في أكتوبر /تشرين الأول 2008 بينما كان يعد العدة لإدخال تنقيحات على الدستور "لقد أعلنت من قبل أنني لن أتردد في التوجه مباشرة إلى الشعب لاستفتائه بشأن مشروع تعديل الدستور، إلا أنه على ضوء التجربة المعيشة منذ سنوات، ومعاينة تداخل السلطات في ممارستها لمهامها من حين إلى آخر، فقد برزت ضرورة إدخال تصحيحات مستعجلة على بعض أحكام الدستور لضمان المزيد من التحكم في تسيير شؤون الدولة".

واضاف مبررا للاحتكام إلى البرلمان بدل الاستفتاء ليضيف لنفسه عهدة ثالثة "نظرا للالتزامات المستعجلة والتحديات الراهنة، فقد ارتأيت إجراء تعديلات جزئية محدودة ليست بذلك العمق ولا بذلك الحجم ولا بتلك الصيغة التي كنت أنوي القيام بها، التي تتطلب اللجوء إلى الشعب، فقد فضلت اللجوء إلى الإجراء المنصوص عليه في المادة 176 من الدستور.. وإذا تم استبعاد فكرة التعديل الدستوري عن طريق الاستفتاء إلى حين، فإن هذا لا يعني التخلي عنها".

ويتساءل مراقبون عن الدوافع التي تجعل بوتفليقة يتأخر دائما في تنقيع الدستور رغم انه كان يمتلك متسعا من الوقت طيلة السنوات الماضية للقيام بما يجب القيام به من تعديل على الدستور.

وقال رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، إن "نفس الأشخاص الذين وضعوا هذا الدستور هم من يريدون تعديله"، مبرزا أن حركته "تريد معارضة هذا الأمر وتطالب بدستور للجزائر وليس لفئة أو مجموعة".

ويعتقد عدد من المراقبين أن التعديل الدستوري لن يدعم المسار الديمقراطي والحريات في الجزائر بقدر ما يهدف لحماية السلطة القائمة ومد أنفاسها بتمكينها من مهلة خماسية قادمة.

ويقول منتقدون لمماطلة بوتفليقة في الاستفتاء الشعبي على الدستور إن "الالتزامات المستعجلة والتحديات الراهنة التي تحدث عنها"، كانت غطاء استعان به سابع رؤساء الجزائر ليحقق رغبتين من خلال تعديل 2008: الأولى وهي الأهم، إلغاء المانع الدستوري الذي يحول دون استمراره في الحكم، أما الثانية فهي الهيمنة على ما بقي من سلطات وصلاحيات كانت بيد رئيس الحكومة، بتحويله إلى وزير أول يؤدي دور ساعي البريد بين الرئيس والوزراء الذين يطبقون ما يسمى "برنامج الرئيس" مهما كان انتماؤهم الحزبي.

ويضيف هؤلاء أن الرئيس بوتفليقة بهذه الممارسات يكون قد ضرب النظام السياسي في الجزائر في العمق بأن جعل السلطة التنفيذية برأس واحد، دون أن يجري "تصحيحات مستعجلة" كما زعم سابقا، في حين أنه كان عليه أن يتوجه إلى الاستفتاء، حسب عدد من خبراء القانون الدستوري الجزائريين الذين يقولون إن تعديل 2008 لم يكن دستوريا لأن صاحبه اكتفى بتمريره على البرلمان.

ويقول بعض القيادات في مجموعة الأحزاب الـ14 الرافضة لأي تعديل دستوري قبل الانتخابات الرئاسية في ابريل/نيسان 2014 إن "ما يجري اليوم هو وضع مشروع تعديل دستوري على مقاس الأشخاص خدمة لأغراض تخص السلطة وحدها، وترتبط بأجندة خاصة بها، لمعالجة اختلالات داخلية لها، في أفق الانتخابات الرئاسية لسنة 2014".

ويضف هؤلاء أن على السلطة القائمة أن تراجع نفسها بخصوص تعاملها مع الواقع السياسي في البلاد، لأن المعارضة ستكون مطالبة بأن تبلور مشروعا وتعبئ قواها لفرض مشروعا وطنيا طموحا، وأن تتولى قيادة الشعب الجزائري إلى التغيير السلمي الهادئ والحضاري باعتبار أن الواقع السياسي الذي تعيشه البلاد غير مقبول تماما.