إلغاء قانون التوازن السياسي يعمّق مأزق كركوك

لم يتم التشاور مع الجميع قبل التنقيح

كركوك (العراق) ـ أدى الغاء جزء من قانون يشجع على التوازن السياسي في أكثر محافظات العراق انقساما عرقيا إلى تأجيج التشاؤم المتزايد بين سكان كركوك حول حل النزاعات الطويلة الأمد بشأن تقاسم السلطة.

والجدير بالذكر أن هذه المحافظة هي موطن للعرب والأكراد والتركمان وقوميات أخرى، ولكن يرى كثيرون أن تمثيلهم في المجلس المحلي لا يعكس بدقة نسبتهم من السكان. ولم تُعقد انتخابات مجالس المحافظات - التي يمكن أن تكون حلا ناجعا لمشكلة الاختلال المتصور في ميزان القوى - منذ عام 2005.

وكانت المحكمة الاتحادية العراقية قد قررت في أواخر شهر أغسطس/آب حذف فقرتين من المادة 23 من قانون انتخابات مجالس المحافظات كانتا تهدفان إلى تحقيق توافق في الآراء بين الجماعات العرقية والدينية في كركوك بشأن موعد وكيفية إجراء الانتخابات التي تشتد الحاجة إليها والتي طال انتظارها في المحافظة.

وكانت الحجة التي استندت إليها المحكمة هي أن اللجنة متعددة الأعراق التي تم تشكيلها بموجب هذه المادة ليست وسيلة فعالة لصياغة قانون الانتخابات. وبدلا من ذلك، انتهت اللجنة القانونية داخل مجلس النواب العراقي، وهو المجلس التشريعي الوطني، لتوها من صياغة قانون انتخابات جديد خاص لمحافظة كركوك، وهو الآن ينتظر القراءة الأولى. وتضم اللجنة ثلاثة ممثلين من كركوك، واحد من كل مجموعة من المجموعات العرقية الرئيسية.

وقال أوات محمد أمين، وهو عضو كردي في مجلس محافظة كركوك "إننا نعتقد أن المحكمة الاتحادية أبلت بلاء حسنا عندما ألغت فقرتين من المادة 23 لأنها كانت تعتمد على وجود توافق في الآراء، ويبدو أن هذا مستحيل في كركوك.. ولا يجب أن نتوقع أن توافق جميع الأطراف بنسبة 100 بالمائة.. بل ينبغي أن نعمل على أساس الاتفاق الذي تصل إليه الأغلبية".

لكن هذه الخطوة قوبلت بمشاعر اليأس من قبل العرب والتركمان، الذين يرون أن القانون حاول ضمان تمثيلهم بشكل صحيح، وبدونه، يشعرون أن عملية صنع القرار قد تُنتزع من أيديهم، وأن أي انتخابات ستُجرى في المستقبل قد لا تكون عادلة.

ويتكون سكان كركوك من العرب والأكراد بنسبة 40 بالمائة تقريبا لكل منهما، بينما تصل نسبة التركمان إلى 19 بالمائة، والمسيحيين إلى 1 بالمائة، وفقا لإحصاء غير رسمي أعده السجل المدني، وإحصاءات وزارة التجارة (التي توزع بطاقات الطعام على الأسر العراقية) وسجل الناخبين، ولكن لم يتم إجراء أي إحصاء رسمي.

"كانت المادة 23 رمزا للتوافق في كركوك" كما قال حسن توران، رئيس مجلس المحافظة وعضو مجموعة التركمان العراقية، مضيفا أن جميع الأطراف وافقت على القانون عندما تم سنه في عام 2008، ولكن لم يتم التشاور مع الجميع قبل الغائه.

عقود من الخلاف

وقد خضع سكان كركوك للمناورات السياسية على مدى عقود، أولا تحت نظام الرئيس السابق صدام حسين، الذي أزاح العائلات الكردية قسرا وجلب عائلات عربية إلى المحافظة الغنية بالنفط من جنوب ووسط العراق، في محاولة لتغيير تركيبتها السكانية. والآن، لا يزال النزاع الإقليمي مستمرا بين حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي التي يقودها الشيعة في بغداد وحكومة إقليم كردستان المتمتعة بحكم شبه ذاتي في الشمال، حيث تسعى كلتاهما لاكتساب مزيد من النفوذ في كركوك والمناطق الأخرى على طول خط التقسيم غير الرسمي.

وتجدر الإشارة إلى أنه بموجب المادة 140 من الدستور العراقي، الذي صدر في عام 2005، تم عكس سياسة "التعريب" التي تبناها صدام حسين عن طريق منح العائلات العربية المال للخروج وتشجيع العائلات الكردية على العودة. ولكن لم يتم إجراء الاستفتاء الذي كان من المقرر عقده في عام 2007 حول نقل السلطة إلى بغداد أو أربيل، مما ترك كركوك في حالة جمود مرحلي.

من جهته، قال أحمد علي، وهو محلل أبحاث في معهد دراسة الحرب (ISW) "من وجهة نظر العراقيين العرب والتركمان، كانت المادة 23 بمثابة القوة التعويضية في مواجهة المادة 140.. ولكن التغييرات الأخيرة سوف تجعلهم يشعرون بأن القرارات ذات الصلة بالمحافظة ستخضع للسياسة ولن تمثل محاولة لإيجاد حل".

ويتكون مجلس المحافظة من 26 عضوا يمثلون التحالف الكردي، وتسعة أعضاء يمثلون المجموعة التركمانية، وستة أعضاء يمثلون المجموعة العربية.

أما رعد رشدي آكاه، وهو عضو تركماني في مجلس المحافظة، فأشار إلى أن "المادة 23، من وجهة نظر التركمان، كانت تفرض بعض التوازن في محافظة كركوك، وتؤكد على مشاركة جميع المجموعات العرقية.. وبعد إلغائها، ستستطيع الأغلبية (الكردية) في المجلس الحصول على جميع المناصب الرئيسية، وفقا لنسب التصويت داخل المجلس".

من ناحية أخرى، يؤكد الأكراد أن عدم وجود تمثيل للعرب في المجلس يرجع إلى مقاطعتهم لانتخابات مجالس المحافظات في عام 2005.

وكانت المادة 23 تنص على تقاسم السلطة عن طريق السعي إلى تقسيم الصلاحيات الإدارية والأمنية والوظائف العامة بالتساوي بين المجموعات العرقية الثلاث. وحاولت أيضا وضع خارطة طريق للانتخابات في كركوك، عن طريق تشكيل اللجنة متعددة الأعراق اللازمة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن شروط إجراء انتخابات مجلس المحافظة، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وبعد إلغاء هاتين الفقرتين، تشعر بعض الجماعات في كركوك الآن بأن فرصة التوصل إلى حل لمشاكل تقاسم السلطة في المحافظة أصبحت أكثر صعوبة.

استغلال الاختلافات

ويقول محللون أن هذا التناحر السياسي قد أضعف المحافظة وزعزع استقرارها، وفتح الباب أمام تزايد العنف الذي تشنه الجماعات المسلحة في جميع أنحاء البلاد، لاسيما على طول الخطوط الفاصلة بين السنة والشيعة.

وأفاد علي من معهد دراسة الحرب أن "كلا من تنظيم القاعدة وجيش رجال الطريقة النقشبندية يستغلان التوترات العرقية والطائفية في المحافظة وتذبذب الديناميكية العربية-الكردية في العراق".

كما أن التوترات العرقية المحلية تؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في كركوك.

وقال أحد المحللين السياسيين البارزين في مدينة كركوك "بعد كل تطور سياسي، نشهد عنفا في كركوك، ومعظم الانتهاكات لها دوافع سياسية".

وفي هذا الصدد، قال بعض السكان والخبراء إن التوصل إلى حل لمشاكل التمثيل المحلي سوف يسهم إلى حد ما في الحد من الهجمات في المدينة. ويرى العرب والتركمان أن تمثيلا أفضل داخل قوات الأمن التي يقودها الأكراد من شأنه أن يساعد في الحد من العنف.

ولكن على الأرجح لن يكون للتوصل إلى اتفاق بشأن تقاسم السلطة المحلية تأثير يذكر على النزاع الإقليمي الأوسع نطاقا بين حكومة المالكي والأكراد، كما أشار المحلل السياسي البارز في المدينة.

وفي وقت سابق من هذا العام، دخلت قوات المالكي في مواجهة مع قوات الأمن الكردية للسيطرة على الأراضي في المحافظة الغنية بالنفط، وعلى الرغم من أنهما تجنبتا الصدام المباشر، فإن هذه المواجهة أثارت مخاوف من أن يتحول الانقسام بين بغداد وحكومة إقليم كردستان إلى أعمال عنف.

الروابط الاجتماعية بين الأعراق

وبينما تنقسم محافظة كركوك إلى مناطق كردية وتركمانية وعربية، أصبحت مدينة كركوك صورة مصغرة لكافة الجماعات العرقية والطائفية. وأسامة فلاح وأصدقاؤه - الذين يشكلون مجموعة من الشباب في العقد الثالث من عمرهم مهتمون بالاختلاط الاجتماعي، وتدخين الشيشة وشرب الشاي في مقاهي المدينة - هم خير مثال على ذلك.

وفلاح عربي من بغداد جاء إلى كركوك في عام 2005 بعد أن اختطفت إحدى الميليشيات في العاصمة أبناء عمومته، ولكن أصدقاءه يقطعون خطوط الفصل العرقي في كركوك وهو يرى أن "هذا أمر طبيعي" بالنسبة له.

ويقول "سيكون شيئا رائعا أن تُجرى انتخابات في كركوك لأننا بحاجة إلى التغيير في المحافظة.. ونأمل أن يعمل الساسة من أجل كركوك وليس لتحقيق أهداف شخصية.. إذا أجريت الانتخابات، لن يكون المهم هو هوية الأشخاص الذين سوف أمنحهم صوتي، بل المهم أن يكونوا يحبون العراق".

ويختلط سكان كركوك مع بعضهم البعض، ويتزاوجون من بعضهم، ويتحدثون مجموعة متنوعة من اللغات. وفي منزل إحدى الأسر التركمانية/العربية في حي عرفة الذي يخضع للحراسة، يتحرك الأصدقاء الأكراد والآشوريون المسيحيون ذهابا وإيابا. وأثناء طهي الأرز مع الزبيب على الموقد، يقوم أفراد الأسرة بالترجمة لبعضهم البعض، ويمكن سماع أربع لغات بين الأجيال المختلفة.

ولكن على الرغم من متانة العلاقات الاجتماعية بين الأعراق، فإن التوازن العرقي ما زال هشا، حتى بالنسبة لأشخاص مثل فلاح، الذي أكد أن "حكومة كركوك لا تراعي مصالحنا، بل تحمي فقط السكان الأكراد".

وفي السياق نفسه، يواصل الساسة المنقسمون على أسس عرقية إلقاء اللوم على بعضهم البعض فيما يتعلق بمشاكل المحافظة، كما أن التفجيرات التي يقوم بها تنظيم القاعدة وجماعات متشددة أخرى مستمرة بشكل منتظم ومثير للقلق، وبالتالي لا يشعر السكان بالأمان.

وفي عام 2005، اغتيل وائل يوسف، العميد المسيحي في شرطة كركوك، خارج منزله بعد تلقيه تهديدات بسبب عمله مع الشرطة.

ويخضع منزل يوسف الآن للحراسة وتحيط به أسوار عالية.وتمتلئ غرفة المعيشة بالشعارات الخاصة بالكنيسة والحياة الأسرية معا - مثل تماثيل منحوتة للمسيح والملائكة وصور يوسف وبناته. وتصف زوجته مها أثناء تناول قطع الكعك السنوات التي عاشوها في جو من الخوف موضحة أنها تحلم بالعيش في مكان آمن. وتعتقد ابنته ريتا وائل أن الانتخابات يمكن أن تكون جزءا من الحل، إذا سعت كافة المجموعات إلى العمل معا.

وقالت "سيكون شيئا رائعا أن تُجرى انتخابات في كركوك لأننا بحاجة إلى التغيير في المحافظة.. ونأمل أن يعمل الساسة من أجل كركوك وليس لتحقيق أهداف شخصية.. إذا أجريت الانتخابات، لن يكون المهم هو هوية الأشخاص الذين سوف أمنحهم صوتي، بل المهم أن يكونوا يحبون العراق". (ايرين)