في صحبة أمير الشعراء أحمد شوقي.. اثنا عشر عاما

الأمير شكيب أرسلان أطلق عليه لقب أمير الشعراء

مؤلف هذا الكتاب هو أحمد عبدالوهاب أبو العز سكرتير أمير الشعراء أحمد شوقي، ولد في قرية سليمان البحري بمحافظة دمياط، (1901-1979)، حفظ القرآن في كتاب القرية، وكان له نشاط ديني، فبني مسجدا في قريته، وكان يخطب الجمعة بمسجد في ضاحية عين شمس القاهرية، فضلا عن مشاركته الثقافية في برامج ولقاءات إذاعية عن أمير الشعراء.

يضم هذا الكتاب بين دفتيه جوانب شخصية وحقيقية من حياة أمير الشعراء أحمد شوقي، فيعرض جوانب عديدة لشخصيته أبا وأخا وجدا وصديقا، والتي تؤكد جميعها أنه في علاقته تلك وفي كل ضروب الحياة كان عنوان الشاعرية المتدفقة بالعطف والحنان والحب.

في البداية يقدم لنا تعريفا لأمير الشعراء، فيقول: هو أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي، أمير شعراء العصر الحديث، ولد في 1868، أطلق الأمير شكيب أرسلان لقب "أمير الشعراء" على محمود سامي البارودي، ثم عاد وأطلقه على أحمد شوقي.

ويعرض حياة أمير الشعراء بقلمه: "سمعت أبي – رحمه الله – يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعا يحمل وصية من أحمد باشا الجزار إلي والي مصر محمد علي باشا، وكان جدي، وأنا حامل اسمه ولقبه، يحسن كتابة العربية والتركية خطا وإنشاء، فأدخله الوالي في معيته، وتعاقب الولاة الفخام، وهو يتقلد المراتب العالية، ويتقلب في المناصب السامية إلى أن أقامه سعيد باشا أمينا للجمارك المصرية، فكانت وفاته في هذا العمل عن ثروة راضية بددها أبي في سكرة الشباب"، ثم ذكر طرفا من سيرة جده لوالدته، إلى أن قال عن نفسه:" أنا إذن عربي، تركي، يوناني، أصول أربعة في فروع مجتمعة، أخذتني جدتي لأمي من المهد، وكانت منعمة موسرة، فكفلتني لوالدي، وكانت تحنو علي فوق حنوهما، وتري لي فحايل في البر مرجوة ".

ووصف ركوبه البحر لأول مرة إلى مارسليا على أن يقضي عامين في مدينة "مونبيليه" وعامين في "باريس" ووصف ما رأى في هذه الأقاليم الفرنسية من كرم ضيافة .. إلى أن يقول وصفا للفلاح الفرنسي: وعرفت الفلاح الفرنسي في داره، وكنت ألقاه في مزرعته، وأماشيه في الأسواق فيخيل لي أنه قد خلف العرب على ثرى الضيف وإكرام الجار، وكان أعجب ما رأيت مدينة "كركسون" وجدتها قسمين، وألفيت القوم عليها صنفين، فمنهم الباقون إلى اليوم كما كان آباؤهم عليه في القرون الوسطي، بناؤهم ذلك البناء، ولباسهم ذلك اللباس، وأخلاقهم تلك العادات والأخلاق.

وعن بره بوالدته يذكر: قال لي مرة عقب وفاة والدي: اعتن بوالدتك، ولا تهمل لها شأنا، وسلها دائما عن طلباتها، ولا تكن مُلحا إذا قدمت لها ما تحب فرفضت قبوله، لأنه ليس للإنسان في الدنيا أخلص من والديه، وأكثرهمها حنانا الوالدة.

• أخت واحدة

لم يكن للفقيد إلا أختا واحدة تنازل لها عن حقه فيما تركه والده، وكثيرا ما كان يذكرها، وفي كل مرة يرى عطفه عليها في ألفاظه وفي بريق عينيه، والعاطفة كانت متبادلة بينهما، كنت أراه بعد عودته من إسبانيا في أوائل 1920 يتردد عليها كثيرا، وكنت ألازمه في أكثر زياراته لها، وما من مرة إلا وأراه خارجا يتألم، ويدعو الله لها، ويقول: ما من مرة أتيت فيها إلا وخرجت مريضا مشفقة عليها.

ويشير المؤلف إلى يوم 24 يونيو/حزيران سنة 1930: ركبنا السيارة من حينا قاصدين بيروت، فقال لي البك: حبي لسوريا ولبنان يماثل حنيني إلى وطني، وبعد أن قطعنا الطريق وقربنا من بيروت قال لي: سترى هنا منتهى حسن الخلق، ولا فرق في ذلك بين سوريا ولبنان.

وفي 26 يونيو/حزيران سنة 1930 صعدنا الجبل فوجدت في الطريق شبه حجر مستقلة خربة، فقلت: ما فائدة هذه الحجر يا سيدي؟ قال: هذا أيضا من كرم البلاد، فقد يمتد كرم الشتاء إلى الصيف، هذه حجر تخزن فيها الثلوج حتى الصيف.

وعن "أشق الساعات" يذكر مرة قال لي: لم أر في حياتي أشق علي من ليلتين: الأولى في سنة 1910 وكنت قد كلفت في الساعة التاسعة منها في عمل تقرير قدم في صباح اليوم التالي: ولما كنت مرتبطا مع أصدقائي بموعد قبل هذ التكليف، وكان موعدنا في قهوة بميدان الأوبرا، وبعد عودتي للمنزل فإذا بعض الأوراق فاقدة، فرجعت إلى القهوة فإذا أبوابها مغلقة، وقفت أمام الباب حائرا، لا أدري ماذا أفعل، وفي السادسة صباحا جاء الجرسون، وكان يونانيا، وعندما رآني من بعد أسرع الخطي إلي قائلا: "أنا بكرت من أجلك، وقد حفظت أوراقك عندي"، كانت هذه الجملة مع عجمتها من يوناني من ألذ ما سمعت في حياتي.

أما الليلة الثانية فكانت في سنة 1918 "وكنا في طريقنا للمنفي بإسبانيا" وقبل أن نصل مارسيليا بقليل علا الموج، فاضطربت السفينة، وأنذرنا الخطر، فعلى الضجيج، فكانت ساعة ذات هول عظيم، وكلما نظرت إلى ولدي علي وحسين ازداد رعبي وطار لبي.

ويقول المؤلف: كان من عادتي ولاسيما في السنوات الأخيرة أن أخفي الأخبار المحزنة جميعها بقدر ما أستطيع عن الفقيد خصوصا أخبار الأمراض والموت، حتى أذكر أني أخفيت عنه خبر وفاة أحد أقربائه الأدنين لمدة شهر، ومن ذلك ما حصل في وفاة المرحوم حافظ بك إبراهيم، فقد أخفيت هذا الخبر ثلاثة أيام علي سيدي لعلمي أنه سيحزنه كثيرا، فقد كان كثيرا ما يذكر حافظ بك بحنو وعطف، وأذكر أنه لما توفت قريبة حافظ بك قال في أسف: إنها كانت كثيرة العناية بحافظ بك.

ويضيف: وكان يقول لي: إن كان مرضي بغير ألم فآلامي كثيرة من ترك عاداتي، فقد تركت كوبا من الويسكي، وتركت التدخين، وتركت القهوة، وسحبت مني حجرتي كما ترى، وكل ما تركت ألم كبير بمفرده، وأرجو أن لا يكون ذلك سببا في إسراع غضبي على أحد، وكانت دائما مناقشتي مع الفقيد في أن يأكل، ثم استمر الأسبوع الأول على هذا النظام المعين، وأخذت أقرأ له الجبرتي، وأخذ يتمِّم رواية "مجنون ليلي"، ويعمل رواية "علي بك"، وفي الأسبوع الثاني زاد الضعف وخصوصا بعينه، وكان يطمئن من قول حضرات الأطباء، ولكنه كان يصمم على أنه لا أزيد أكله إلا شيئا فشيئا، وكان ملما بكثير من الشئون الطبية والكيميائية، فقد أرسلني بورقة فيها بيان أصناف سماها هو، فجئته بمقاس الضغط الدم وأدوات تحليل البول، ومرنني على ذلك بواسطة طبيبه الخاص، وكنت أقوم بعملية التحليل من وقت لآخر، أما مقاس الضغط فكان إذا شعر بصداع أو ضيق في وقت متأخر من الليل.

• عذب رصين العبارة

ويقول المؤلف: ولد شوقي شاعرا، وقال الشعر ناشئا وشابا، لعل شعر شبابه لم يكن يومئذ عذبا رصين العبارة، لكنك تحس أنه كان يجد في كل مظهر من مظاهر الحياة ميدانا للشعر، كانت لا تعجبه الساعة التي تحمل، فيقول:

لي ساعة من معدن ** لا يقتنيها مقتن

تعجل دقا وتني ** مثل فؤاد المدمن

ويضيف: لقد كان شوقي في شعره عظيما غاية العظم، وفي أدبه كبيرا منتهيا إلى قمة الكبر، وكان في جيله غريبا بفقده عجيبا، فشكر الله أن تكون مصيبتان بفقده عظيمة كبيرة، غريبة عجيبة، فأفقدنا العزاء قبل أن نفقده، وسلبنا السلوى قبل أن نسلبه.

وأخيرا، يشير المؤلف إلي وقع نبأ وفاته في العراق، فيقول: إن لنعي المرحوم شوقي بك أمير الشعراء وقع عظيم في العراق كلها، عمَّ الأسف البلاد مدنها وقراها وخصصت الصحف أعمدة طويلة للإشادة بمآثر الفقيد الكبير وذكر مناقبه والتنويه بمقامه في عالم الشعر وكتب أحدهم من الحلة ما يأتي:

بينما كنا صبيحة أمس جالسين في أحد المقاهي بالحلة وإذا بأحد باعة الصحف قد أقبل وفي يده صحيفة تذكر خبر وفاة أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقي بك، وكان هناك السيد محمد الجبوري فوقف وارتجل الأبيات الآتية:

حداداً يا بني قومي حداداً ** لرزء ألبسَ الدنيا سوداً

أمير الشعراء شوقي قد توفى ** فعزوا فيصلا .. عزوا فؤادا

لماذا للعلى قد كان شوقي ** فهو الموت ذياك العماد

لئن قد أبكت الأرزاء ناساً ** فهذا الرزء قد أبكى الجمادا

(خدمة وكالة الصحافة العربية)