تونس ... هل نحن يمينيون رغم أنفنا؟

خطأ أُقترف بحق الدين!

يبدو أنّ الشعب التونسي، وربما الشعوب العربية كافة، في معظمه يميني سياسياً إلى حد بعيد. أما السبب في ذلك فقد يكون، ربما ضد كل توقعات الفكر السياسي الكلاسيكي، سوء تطبيقه للإسلام. وبالتالي فالذي يعوزه في اعتقادنا هو منظومة تطبيقية للإسلام. لكن هل هذا يعني أنّ حزب النهضة الإسلامي كان على حق لمّا تولى مهمة أسلمة المجتمع على إثر فوزه في انتخابات 23 أكتوبر 2011، وهل هذا يعني أنّ النخب في تونس مطالبة بالإطاحة بحكم النهضة لا لشيء سوى لافتكاك مهمة الأسلمة من هذا الحزب ثم تكليف سلطة جديدة بالمهمة نفسها؟

بادئ ذي بدء هنالك على الأقل دليلان على "يمينية" الفكر السياسي في تونس (وفي عدة مجتمعات من الوطن العربي) أولهما أنّ الشعب في بادئ الأمر قبِل بأن تحكمه سلطة يمينية، وهي سلطة حزب النهضة المتأسلمة، وثانيهما أنه في مرحلة ثانية ولمّا تضجّر من هذا الحكم بعد أن سبق السيف العذل لم يستطع تعديله وتصحيحه (كما سجلنا إلى حد الآن).

ما نستنتجه مبدئيا من هذا هو أنّ شعبنا ليست له الموارد الضرورية والكافية، أيْ مواردَ من الفكر اليساري الحقيقي (لا المتعارف الآن)، لتعديل الكفة لصالحه بعد تأكده من أنّ النهضة لا تساوي الإسلام. كما أننا نستنتج أنّ تفطنَ فئات عديدة من الشعب إلى أنّ النهضة لا تمثل الإسلام لوحدها يُعدّ بحد ذاته تحوّلا نوعيا في الفكر المجتمعي واعترافا ضمنيا بأنّ النهضة موجودة في واد اليمين، وبأنّ غالبية الشعب من جهتها سائرة في واد ثان ومغاير ولكنها لا تدري أنّه واد اليسار، أيْ السبيل المؤدية إلى مجابهة كل سلطة مستبدة وإلى المثابرة على التحرر من براثنها. ثم لمّا يجهل المرء والمجتمع من هو فيعني ذلك أنه لن يهتدي إلى وسائل الخلاص. وهذا وجهٌ من أوجه الجهل المقدس.

لذا فالسؤال الذي ينبغي طرحه الآن: هل أنّ هذا الخلل، وهو ابستيمولوجي بالدرجة الأولى، والمتمثل في عدم تملك الشعب للوسائل اليسارية الوقائية اللازمة للخلاص، يفسر بسوء فهم الشعب للإسلام أم بشيء آخر؟ للإجابة لا نرى بُدّاً من التنويه بأنّ العديد من المؤشرات تدل على أنّ فهم غالبية الناس للإسلام صحيح من الناحية النظرية، مع العلم أننا ممن يتفقون مع مالك بن نبي لمّا يؤكد على أنّ أيًّا كان يحاول إقناع المسلمين بدينهم إنما يضيع وقته وربما وقت المسلمين أنفسهم (في كتاب رسالة المسلم المعاصر). فلو لم يكن فهمُ شعبنا للإسلام صحيحا لما استفاق هذا الأخير وانتفض ضد حكم النهضة، الناشز بادعائه الإسلامية.

مع هذا كيف نفسر أنّ الفهم الصحيح لم يمنع في البدء الجماهير المناوِئة لحكم النهضة من المزج بين هذا الحزب والإسلام؟ ربما الجواب الأقرب من الحقيقة هو أنّ سبب الوقوع في الخلط ، وهو خطأ اقتُرف في حقّ الدين بالرغم من الإلمام بهذا الأخير، يتمثل في كون فهم الدين وحده لم يكن (ولن يكون) كافيا لدرء المفاسد.

نتخلص إلى القول إنّه كان على الفاهمين أن يكونوا مسلحين بالوسائل التطبيقية الملائمة للفهم؛ وهذا مما يضع مجتمعنا أمام حتمية التفكير في طريقة لتطبيق الإسلام تكون، حسب ما سبق تحليله، يسارية التوجه، وهو ما من شأنه أن يقي المجتمع من أصناف عديدة من الخلط، على غرار الخلط بين الحزب الديني والدين نفسه كما قدمنا، حيث إنّ من تداعيات تلك الخطيئة الأصلية، إن جازت الاستعارة، أنّ الفرد والمجتمع أصبحا يمزجان الأبيض والأسود، الدين والسياسة، فهم الدين وتطبيق الدين، الشريعة والقانون وغيرها من الثنائيات المتناقضة. أما أكثر أصناف الخلط خطرا على البلاد وعلى العباد فهو من دون أدنى شك الخلط بين طريقة الحزب الديني لتطبيق الإسلام والطريقة التي نقدمها على أنه يتحتم على المجتمع توخّيها لتجاوز الأزمة الحالية.

في الأخير ولرفع كل لبس، ناجم هو الآخر عن الخطيئة الأصلية، لا يسعنا إلا أن نُطمْئن الجماهير العريضة من شعبنا أنّ ما نسميه بـ"تطبيق الإسلام" لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤخَذ كمرادف لنفس العبارة الواردة في كتب التفسير وفي أدب الإسلاميات الكلاسيكية.

ذلك أنّ ما نقصده من خلال هذا الاسم، بل ما ينبغي أن يُقصد به في ظروف الزمن الحاضر، بصفة أدقّ حسبما يتطلبه شرط تشكل يسارٍ سياسي حقيقي لتعديل الفكر السياسي والممارسة السياسية، إنما هي طريقة لفهم الواقع وتحليله ثم تغييره وتطويره نحو الأفضل بكيفية نابعةٍ من الشخصية الوطنية وبالتالي مُرضيةٍ لغالبية الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

هذا مما يحثنا على أن لا نفوّت الفرصة لنلوم اليسار التونسي في صورته الحالية على تنديده بالتناقضات والأخلاط المذكورة من دون أن يراجع نفسه ليدرك أنه شريك في توليدها؛ وفي اعتِياشها من جسم المجتمع، متسببة في تعرُّضه لمختلف الهزات التي وصلت إلى حدّ العنف الجسدي والاغتيال السياسي.

محمد الحمّار

كاتب تونسي