رابطة القلم تشن هجومها الخاص على الرقابة الالكترونية

في ظل التطور السريع لوسائل الاتصال وإقبال الأفراد الهائل على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد الحكومات قادرة على الاستفراد بشعوبها، كون هذه الوسائط والصحافة الرقمية هي عابرة للهويات والقارات معا مما أدى إلى ضعف آلية الرقابة وعدم جدواها في بعض الأحيان. هذا الامر قد دفع ببعض الحكومات الى عقد صفقات مع بعض شركات الاتصالات العالمية الهدف منها هو الوصول الى الناشطين ومتابعة تحركاتهم ومن ثم اعتقالهم مثلما تجلى هذا الأمر وحسب تقرير رابطة القلم مع عقود الاتصالات بين شركة سبا الايطالية والنظام السوري والذي يتهم هذه الشركة بتواطئها مع النظام بتوفير التكنولوجيا التي مكنت الاجهزة الامنية في سوريا من مراقبة كافة خطوط الانترنت، عام 2011 والتي تبعتها حملة اعتقالات واسعة للناشطين الداعين الى التظاهرات التي تطالب برحيل النظام.

على ضوء هذه التطورات وتحديدا في الازمة السورية واستمرار الانتهاكات من قبل انظمة عديدة في العالم لحق التعبير والاحتجاح السلمي، اقر مؤتمر القلم في العام الماضي في كوريا بيانا عالميا يكاد يكون مكملا للإعلان العالمي الشهير لحقوق الإنسان وهو "ميثاق القلم الخاص بالحرية الرقمية" الذي نصت المادة الرابعة فيه على إلزام شركات القطاع الخاص والشركات التقنية بحماية معايير حق حرية التعبير وحقوق الانسان والتمسك بهذه الحقوق لجميع الافراد حينما لا تحميهم القوانين واللوائح الوطنية.

اما هذا العام فان مؤتمر القلم في ايسلندا جاء ليتوج ما بدا به أعضاء الرابطة منذ أعوام من العمل على صعيد حماية الكتاب الذين يتعرضون الى مخاطر الإقصاء وإسكات أصواتهم سواء ذلك من خلال الحملات العالمية التي تقوم بها الرابطة كما حدث مع عدد من كتاب العالم ومنهم العديد من الكتاب العرب، أو من خلال القرارات التي تتوجه بها منظمة القلم الى الحكومات وكذلك الهيئات الدولية سواء في الاحتجاج ام الاستنكار الذي يذهب الى تحشيد دولي عبر شبكات عالمية من العاملين على حماية حقوق الإنسان وحقه في حرية التعبير والسلام.

فالقرارات التي خرجت من رحم هذا المؤتمر لهذا العام قد ركزت ولفتت الانتباه الى انتهاك هذه الحرية ليس من قبل الأنظمة القمعية او الشمولية ولكن أيضا من قبل الدول التي تعتبر نفسها راعية للديمقراطية في العالم ومنها الولايات المتحدة. فقد نبه رئيس وفد القلم الأميركي لاري سمس الى قضية قانون المراقبة والتعديلات التي يراد إقرارها من قبل الكونغرس. وحسب ماجاء في كلمته للمشاركين: "ان هذا القانون يشكل سابقة خطيرة في تاريخ اميركا بالنسبة لانتهاك الحرية الفردية والذي يعرض حياة الافراد والاعلاميين الذين كانوا السباقين في نقل حقيقة الفضائح التي ارتكبتها اميركا في ممارسة التعذيب مثلا الى مخاطر الملاحقة القضائية التي ربما ستدينهم بتهمة الخيانة او التجسس وهذا ما يعرض حياة هؤلاء الى الخطر الكبير بانتهاك حريتهم التي تكرس فيما بعد الرقيب الذاتي داخل الكاتب او الاعلامي والذي يشكل العائق الاكبر امام الحرية الخلاقة المبدعة لأي كاتب في العالم".

وفضلا عن المصادر السرية للمعلومات بالنسبة للمنظمات العاملة في حقول الدفاع عن المعتقلين وسجناء الرأي، فإن هذه البرامج الحكومية للمراقبة سواء أكانت في الولايات المتحدة الأميركية أم في بريطانيا والتي تعمل تحت مظلة وكالات الأمن القومي وذرائع الحفاظ على الامن ومحاربة الارهاب، تشكل اليوم استلابا صارخا وخطيرا لقدسية الحياة الفردية وأسرارها التي ستصبح عرضة للتجسس والذي سيطال كل من الاتصالات الهاتفية والايميلات وكافة وسائل الاتصال الرقمية التي يستخدمها الافراد بشكل شخصي ويومي او تلك التي تتعامل من خلالها المنظمات العالمية والمحلية المدافعة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير. هذا الامر سيطال كل فرد في المستقبل ولن تقف تداعياته على المشهد الأميركي، وبحسب ذلك فقد صوت المشاركون بالإجماع على التصدي لقوانين المراقبة.

ان تلك البرامج تنتهك القاعدة القانونية الدستورية العالمية وهي افتراض ان المتهم بريء حتى تثبت إدانته. فلم يعد لحياة الأفراد الشخصية أية حصانة من المراقبة التي تجعلهم عرضة لأي قرار حكومي ربما تتخذه تلك الحكومات بحقهم انتقاما لنشر انتهاكاتها لحقوق الانسان

لذلك طالبت منظمة القلم بتصويت أعضائها في مؤتمر ايسلندا على اعادة تفعيل المادة 3 من ميثاق رابطة القلم لعام 2012 الخاص بالحرية الرقمية.

وناشد القرار كل من الحكومتين الأميركية والبريطانية وكل الحكومات في العالم التي تتبنى مثل هذه البرامج في مراقبة مواطنيها تحت ذرائع الحفاظ على الامن القومي، ان تقدم مراجعات مستقلة وشفافة لكل تلك البرامج بحيث لا تتعارض مع معايير القوانين الدولية. ثم شدد القرار على وضع نهاية لمحاولات التهديد بعقوبات قضائية للإفراد سواء أكانوا صحفيين أم ناشرين أم كتابا الذين يكشفون عن الفضائح والجرائم التي ترتكبها بعض الحكومات والسلطات باستخدامها للتعذيب كوسيلة لانتزاع الاعترافات أو أي انتهاك آخر يتعلق بكرامة الإنسان وحريته في التعبير.

بعد ذلك طالب القرار حكومات الدول كافة باحترام الحرية الفردية بوصفها قضية جوهرية وملزمة لتفعيل حق الإنسان لممارسة تلك الحرية دون قيد او شرط.

وخيمت الازمة السورية على محور التصويت على القرار الداعي الى ضرورة الإجماع الدولي بشان عقد مؤتمر للسلام يضم كافة الأطراف السورية، فالقرار الذي يستعرض انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان من خلال تكميم أفواه الإعلام الحر ضمن إجراءات القتل، والاعتقال والاخفاء القسري التي طالت العديد من الصحفيين والناشطين السوريين. هذا القرار لم يتضمن فقرة تقف بوجه الحرب والضرب الأميركية ضد سوريا، مما اضطرني كممثل لرابطة القلم العراق- بعد أن غاب أعضاؤها جميعا من حضور المؤتمر - الى التنبيه كون الكتاب يجب ان يكونوا دائما صوتا للسلام رافضين للحرب مهما كانت ذرائعها وأسبابها ولنا في سابقة كوسفو خير دليل والتي بررت التدخل العسكري تحت غطاء قانون الاغاثة الدولي، وبعدها في العراق، ولان القضية السورية لا يمكن لها اليوم أن تفصل عن قضية العراق وهي جزء من الصراع الدائر هناك فإننا ندعو الى شجب أي حرب وتدخل خارجي ضد السوريين وسوريا ولكن في الوقت نفسه نرى ضرورة تقديم الوجوه الأخرى لحزب البعث الذي سقط نصفه العراقي عام 2003 الى المحاكم الدولية كمجرمي حرب مع المسلحين في الطرف الاخر ممن انتهكوا في معاركهم مع النظام السوري المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

بعد هذه الاشارة وتضامن ممثل الوفد الصربي، اضيفت كلمة "حالا" الى الجملة التي تدعو الى المؤتمر العالمي للسلام في سوريا، هذه الاضافة تشكل في الصياغة القانونية: شجبا ورفضا لأي عمل عسكري سواء من قبل الأطراف المتنازعة ام اية جهة خارجية، لان الشعب السوري في نهاية الآمر هو من يدفع ثمنا باهضا من حياته ومستقبله المجهول في ظل دوامة العنف اللاانساني اليومي.

الربيع العربي ضحية الإسلام السياسي

ويبدو ان الربيع العربي الذي اختطفه الاسلام السياسي من الشباب قادة التغيير الحقيقي في البلدان العربية، قد حفز مراكز القلم الأوروبية على انشاء مواقع محترفة لصوت المعارضين من الكتاب والإعلاميين والناشطين لغرض نشر مقالاتهم التي تعري انتهاكات حرية الانسان وحقه في التعبير والعيش الكريم، ومن هذه المواقع هو موقع "مدونة المعارض" الذي جاء تحت شعار "ما يريد محوه الحكام"، فان موقع المعارض سينشره، عارض ونحن ننشر، وقد خصص هذا الموقع مكانا للمقالات العربية يشرف عليه مترجمون متخصصون، فضلا عن دليل عدة الامان، ادوات وممارسات للامان الرقمي الذي انجزته مؤسستا فرونت لاين وتاكتيكال تيكنولوجي كوليكتيف.

تاكتل تكنولوجي هي مؤسسة غير ربحية أنشأت لكي تساعد نشطاء حقوق الإنسان على استخدامهم تقنيات المعلوماتية والاتصالات وتدريبهم للمساعدة في تنمية القدرات الشابة على اكتساب الخبرات من اجل نجاح حملاتهم وتأثيرها المباشر على المجتمع. اما مؤسسة فرونت لاين فهي مؤسسة مدنية ايضا تهدف الى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان التي تتعرض حيواتهم الى المخاطر كونهم يعملون بشكل سلمي على دعم الحقوق التي تبناها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فهذه المنظمة تقدم للناشطين العون في التدريب والحماية من اضطهاد السلطات والاتصال بالمنظمات الدولية التي تساعدهم في كشف الجرائم المتعلقة بهذه الحقوق في بلدانهم.

وقد وفرت الرابطتان على موقعيهما النسخة الالكترونية من هذا الدليل الهام وبلغات عدة ومنها اللغة العربية وسمحت بنشر الكتاب وإعادة توزيعه من اجل خلق الوعي العام بكيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الاستخدام اليومي للبريد الالكتروني وحماية كل خزين هذه الوسائط من المراقبة والانتهاك سواء من قبل السلطات المحلية ام العالمية التي تتبنى برامج التجسس والمراقبة.

حال العراق

وذكرت رابطة القلم - فرع العراق في كلمتها:

"يبدو أن العراق قد نسي من المشهد الإعلامي العالمي تماما بعد أن كان البلد الأول الذي تتصدر أخباره كل العالم، ففي بلادي نعم هناك، لايزال الكتاب والإعلاميون يحتفلون بالكلمة وبالإبداع في كل مدن العراق وتحديدا في شوارع بغداد الحزينة، هناك حملات شعبية يقوم بها الناشطون والمثقفون من اجل أن يظل الكتاب حيا رغم دوامة العنف والإرهاب والاحتراب الداخلي. على سبيل المثال حملة: اقرأ التي يقودها شباب أمثال الشاعر الشاب علي وجيه الذي يقوم وبجهد فردي كل ليلة على تصوير العشرات من الكتب التي لايستطيع العراقيون الوصول إليها او اقتنائها ويضعها على رابط في صفحته في الفيس بوك تحت عنوان 'مكتبة الأدب العراقي المعاصر' لتكون في متناول الجميع.

"ولكن على الطرف الاخر من هذه الصورة هناك حراك شعبي يقوده النشطاء والكتاب واقفين بوجه الفساد والإرهاب وسوء الخدمات وقمع الحريات، فالعراق ورغم ماكنة الخوف التي اشار اليها المفكر د كنعان مكية والتي حولت المجتمع الى مواطنين يخشى حتى افراد العائلة الواحدة بعضهم بعضا لكن هذا البلد كان سباقا بربيعه العربي، بانتفاضته الشعبية عام 1991 ومن ثم بعد 2003 حيث حرية التعبير وهي المنجز الايجابي الوحيد في العراق للأميركان، فقد كانت الاحتجاجات الشعبية قد سبقت ايضا الربيع العربي حينما خرج العراقيون عام 2009 للتظاهر ضد الرقابة وعام 2010 ضد اسلمة الدولة تحت شعار 'بغداد لن تكون قندهار' ومن ثم يوم الغضب حيث التظاهرات الشعبية التي اعقبت الثورات العربية عام 2011 التي انتهت بضرب واعتقال منظميها والداعين اليها امثال الشاعر احمد عبد الحسين والشاعر علي السومري والاعلامي الفنان هادي المهدي والاعلامي سيف الخياط واخرين والاعتداء على القنوات الاعلامية وكوادرها الفنية، واذا كنت سابدا بالحديث عن حرية التعبير فإنني استعير التقرير الذي نشرته منظمة حقوق الانسان هيومن رايتس ووتش حيث نقلت نص ماكتبه الشهيد الاعلامي الفنان هادي المهدي قبل ساعات من مقتله وعلى صفحته الخاصة بالفيس بوك:

«كفى، إنني ومنذ ثلاثة أيام أعيش حالة رعب، فهناك من يتصل بي ليحذّرني من مداهمات واعتقالات للمتظاهرين، وهناك من يقول: ستفعل الحكومة كذا وكذا، وهناك من يدخل متنكّراً ليهدّدني في الفيس بوك. سأشارك في التظاهرات وإني من مؤيديها، وأنا أعتقد أن العملية السياسية تجسّد قمامة من الفشل الوطني والاقتصادي والسياسي وهي تستحق التغيير، وإننا نستحق حكومة أفضل، باختصار، أنا لا أمثل حزباً، ولا أية جهة، إنما أمثل الواقع المزري الذي نعيشه، لقد سئمت مشاهدة أمهاتنا يشحذن في الشوارع، ومللت أخبار تخمة ونهب السياسيين لثروات العراق»."

"كما تعرفون ان الدستور العراقي لعام 2005 قد كفل حق التظاهر السلمي وحق التعبير الذي يعتبر حقا غير مشروط طبقا للقوانين الدولية التي هي جزء من المواثيق الملزمة للعراق وحكومته باحترامها وعدم السماح بانتهاك تلك الحقوق."

"لقد قررت حضور هذا المؤتمر متحملة عناء السفر وتكاليفه كي لا يحرم العراق من حق التصويت او المشاركة في الجلسات لسببين الاول: هو الخطر الذي تتعرض له حرية التعبير اليوم وتحديدا التظاهرات السلمية والتي يراد منها الاحتجاج من اجل تغيير الوضع المزري الذي اشار اليه هادي المهدي من قبل وليس من اجل الإطاحة بالعملية السياسية كما هو حاصل في البلدان العربية، فان المظاهرات بنشطائها وبالإعلاميين من خلال تغطيتهم لهذه التظاهرات فإنهم الهدف الأول للقمع من خلال تعرضهم للضرب والاعتقال غير القانوني والتهديد بتعرضهم للمساءلة القانونية والتلويح لهم بالفقرة 4 من قانون مكافحة الارهاب وعقوبة المدان فيها هي الاعدام اذا لم يوقعوا على تعهدات بعدم الخروج او المشاركة في اية تظاهرة مقبلة، هذا انتهاك صريح للدستور ولكافة المواثيق العالمية التي تحمي وتدافع عن هذا الحق الأساسي غير المشروط وما حدث يوم 31 من شهر اب لهذا العام في المظاهرات الشعبية التي اجتاحت مدن العراق ضد امتيازات وقانون التقاعد لاعضاء مجلس النواب، من اعتقال واستخدام للعنف المتمثل بقوات 'سوات' التي هي اليوم موضع ادانة من اغلبية الشعب العراقي بسبب وحشيتها في التعامل مع المواطنين العزل، وما حدث مؤخرا من انتهاكات غير انسانية وغير حضارية في محافظة الناصرية جنوب العراق لهي اوضح دليل، حيث اعتقل ليوم واحد سبعة من الكتاب والإعلاميين في مقر قوات مكافحة الإرهاب وبعد أهانتهم وضربهم تم اطلاق سراحهم بعد ان اجبروا على توقيع التعهدات التي اشرت اليها اعلاه."

"المسالة الأخرى التي أود إثارتها في هذا المؤتمر هي مسالة التأخير والتسويف الذي تماطل به مكاتب الأمم المتحدة بشان قضايا منح اللجوء الخاصة بالزميلات والزملاء من الكتاب والإعلاميين العراقيين والذي يصعب عليهم في الوقت الحاضر لا العودة الى العراق ولا البقاء في دول الجوار خاصة بعد تفاقم الأزمة السورية التي طغت ملفاتها على ملفات العراقيين، نطلب التدخل السريع للرابطة القلم العالمية اما بتفعيل هذه الملفات او بقديم العون لهؤلاء الكتاب وعوائلهم باستضافتهم ضمن مشروع ايكورن الذي تتبناه رابطة القلم النرويجية والذي انشأ مدنا عالمية خاصة في بلدان اوروبا لاستضافة الكتاب المعرضة حياتهم للتهديد سواء في بلدانهم ام في البلدان التي لجأوا اليها."

"ختاما مما يحسب للاحتجاجات الشعبية الأخيرة انها عبرت الحدود الطائفية ووحدت الشعب العراقي ضد انتهازية النخب السياسية وجشعها التي تتمتع بثروات العراق فيما يحرم الشعب من أساسيات العيش الكريم."

"ان الحشود الغاضبة المحتشدة في مدن العراق اليوم لهي في نهاية الأمر تمثل ما تبقى من امل بفرض الإصلاح الديمقراطي الحقيقي وإعادة الاعتبار للأصوات الحقيقية من الشباب والنساء والعلمانيين الذين يسعون الى استعادة الهوية المدنية للعراق التي همشتها الطائفية والأحزاب الإسلامية المتنفذة التي سرقت المنجز الايجابي الوحيد من الاحتلال الاميركي للعراق وهو حرية التعبير لا غير".