الحكومة المغربية في طبعتها الجديدة، سؤال التحديات والإمكانات

نصب العاهل المغربي محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط الحكومة في طبعتها الثانية المعدلة يوما قبل افتتاحه البرلمان ودخول الموسم السياسي سنته الجديدة، بعد مفاوضات ماراثونية خاضها رئيس الحكومة المغربية عبدالإله بن كيران اثر انسحاب وزراء حزب الاستقلال الشريك الأول من حكومة الائتلاف في يوليو 2013، حيث دخل المغرب حالة من الانتظارية خلفت جمودا سياسيا خلال الأشهر الأخيرة. التعديل الحكومي الأخير أدخل حزب التجمع الوطني للأحرار وهو حزب يميني وسطي ضمن الائتلاف الجديد محل حزب الاستقلال المنسحب.

الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار حاز على حقيبة وزارة الخارجية بعد رحيل الإسلامي سعدالدين العثماني عن الوزارة. تعديل في هذا الموقع يأتي في خضم ما تعرفه قضيتنا الوطنية "الصحراء المغربية" من تطورات وتحديات إقليمية ودولية وزيادة في تكالب الخصوم على وحدتنا الترابية ملف يحتاج إلى دماء جديدة واستراتيجيات مبتكرة على صعيد الدبلوماسية المغربية اقتصاديا وسياسيا حتى يتم استيعاب كل التحديات المفروضة على البلاد.

التحديات التي تواجهها الحكومة في طبعتها الثانية عديدة وتتطلب أكثر من المجهود الذي كان في السابق. فالوضع الإقليمي سياسيا وامنيا يعرف توترا مزمنا وتطورات دولية متواترة وأزمة اقتصادية عالمية طاحنة، إضافة إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي الداخلي الذي ينتظر من هذه الحكومة تغييرات حقيقية في توجهاتها ومقاربتها في تدبير الأزمات واقتراح الحلول الناجعة خصوصا انه كان هناك آخر قرار حكومي اعتبرناه غير اجتماعي وبمثابة صدمة من طرف حكومة بن كيران ألا وهو الزيادة في فاتورة المحروقات، إنه تحد داخلي ذو طابع حزبي ونقابي حيث ستجد حكومة بن كيران نفسها في مواجهة معارضة متربصة لأي خطأ أو تجاوز.

نرى أن التحالف الحكومي الجديد سيواجه تحديا خطيرا ألا وهو التماسك والانسجام بين أعضاء الحكومة والذي كان سببا في انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة السابقة بعد اتهام هذا الأخير رئيس الحكومة بالاستعلاء وعدم التواصل والاستحواذ على القرار، خصوصا إذا أخذنا بالاعتبار الخلافات التي كانت قائمة سابقا بين حزب العدالة والتنمية والامين العام لحزب الأحرار حيث كان رئيس الحكومة بن كيران في جل وقته السياسي يدبر أزمات المكونات الحكومية بدل تدبير الشأن العام. وكانت النتيجة هو شح الحكومة في إخراج مشاريع القوانين التنظيمية ومن ضمنها نظام الجهوية الموسعة.

هناك تحديات أخرى تتراءى في وجه الحكومة الجديدة تتمثل في أربعة محاور من الأهمية بمكان وتتطلب حنكة وخبرة تتجاوز كل ما هو صراع حزبي او سياسي لتدخل في إطار السلم والاستقرار الاجتماعي ونجملها فيما يلي:

1- النظام الضريبي: المغرب في وضعية اقتصادية تتطلب حكمة في التدبير وفرصة لتحقيق ما ينتظره المغاربة فالمطالب كثيرة ومن تحديات الحكومة الجديدة نجد إصلاح النظام الضريبي تجاوبا مع توصيات المناظرة الوطنية حول الجبايات المنعقدة بالصخيرات في 29-30 ابريل من سنة 2013 التي تتلخص في توسيع الوعاء الضريبي وإدماج القطاع غير المهيكل ومساهمة الجميع في التكاليف العمومية، و إصلاح الضريبة عل القيمة المضافة وعدم إحداث إعفاءات ضريبية جديدة وحذف تلك التي لا فائدة من ورائها اجتماعيا بموازاة مع ضبط الضرائب الموجودة حتى تتواءم مع ما هو مرسوم من أهداف اقتصادية وتنموية، كذلك إبقاء الاستثناء الضريبي بالنسبة لصغار ومتوسطي الفلاحين.

2- إصلاح القانون التنظيمي للمالية: يعتبر القانون التنظيمي للمالية الوثيقة الأساسية التي تحدد مختلف جوانب القانون المالي من خلال الشكل والمضمون وﻛﻴﻔﻴﺔ ﺗﻘﺪيمه وإﺟﺮاءات دراﺳﺘﻪ واﻟﺘﺼﻮﻳﺖ ﻋﻠﻴﻪ ايضا ﻗﻮاﻋﺪ ﺗﻨﻔﻴﺬه وﺗﺼﻔﻴﺘﻪ. والذهاب في إصلاح هذا القانون هو من اجل ضمان تدبير امثل واستراتيجي للمالية العمومية لتجاوز أي تكتيكات مرحلية في تحقيق أهداف السياسة الحكومية عبر توزيع ناجع للاعتمادات المالية وتحسين المؤشرات العامة للاقتصاد الوطني من اجل الرفع من نسب النمو المحقق وتوزيع فعال للثروات الوطنية وفق نظام يضمن الإنصاف للتقليص من حجم الفوارق الاجتماعية وهذا ما يتطلب حرصا من طرف الحكومة الحالية في تدبير الامكانيات.

3- إصلاح صندوق المقاصة: انه "صندوق الدعم" الذي تم إحداثه لدعم مجموعة من المواد الاستهلاكية الحيوية، الذي يقضي بخلق التوازن الفعال بين الماكرو اقتصادي والمالي مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي على اعتبار ان هذا الصندوق يضمن دعم القدرة الشرائية للمواطن بتحمل الميزانية العامة للدولة جزء من اسعار تلك المواد التي تدعمها الدولة.

4- صناديق التقاعد: حيث أن الصندوق المغربي يعيش أزمة مالية يبدو أن المماطلة في الإصلاح سيزيد من عجز صناديق الاحتياط الاجتماعي هناك دراسات حذرت من إفلاس هذه الصناديق في أجل أقصاه 2014 حيث أن النفقات ستفوق الموارد الشيء الذي يستدعي من الحكومة الثانية اتخاذ إجراءات عملية تكون متناسبة مع متطلبات أكثر من عشرة ملايين مستفيد من المنخرطين والمتقاعدين.

قدرة الاقتصاد الوطني في التفاعل الايجابي مع الأزمات الخارجية تتطلب اهتماما جديا من الحكومة المعدلة حتى يتم تأهيله للتأقلم والاستفادة الايجابية مع المتغيرات الدولية، ذلك باستغلال ما حققه المغرب من اختراقات وعلاقات متقدمة مع دول وشركاء على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاستفادة اكتسبه المغرب على مستوى الترسانة القانونية والحقوقية والاستقرار السياسي والتنوع الجغرافي المهم في تشجيع الاستثمارات الخارجية وتأهيل موقع المغرب على صعيد القيم العالمية.

حضور ثمانية وزراء من أصل 39 وزيرا تكنوقراطيين لا ينتمون إلى أي حزب سياسي كان الغرض منه محاولة كبح تلك الصدامات التي كانت طاغية بين مكونات الحكومة من السياسيين. التعديل الأخير شمل وزير الداخلية محند العنصر الذي ينتمي إلى حزب الحركة الشعبية في حين أن الوزير الجديد محمد حصاد شخصية محايدة وغير منتمية حزبيا، وذلك في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة حتى لا يتم اتهام أي وزير حزبي بمحاباة فريق ضد آخر والحكومة مطالبة بإخراج القوانين المتعلقة بالانتخابات الجماعية والجماعات الترابية، أما نسبة الشباب في الحكومة الجديدة فهي جديرة بالاهتمام بإعطائهم فرصة في إبراز كفاءاتهم وقدراتهم على تدبير الشأن العام.

تضمن دستور المملكة فصولا تعنى بمسألة المناصفة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات ويبدو أن المرأة قد تخطت عقبات إجحاف المرأة داخل الحكومة في طبعتها الأولى فصعد الرقم من امرأة واحدة إلى ست نساء، وزيرتان وأربع وزيرات منتدبات، منهن وزيرة منتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية الجديد داخل التشكيلة الحكومية التي قفز رقم وزرائها من 31 عضوا إلى 39، هذا يرجع لثقة الملك محمد السادس في المرأة المغربية بإعطائها الفرصة لإثبات كفاءتها في مجال اختصاصها تدبيرا وتسييرا خدمة وتدعيما للنموذج المغربي الذي ينحو اتجاه تدعيم دولة المؤسسات.

المغرب يراهن على تكثيف الجهود في تأطير يد عاملة ذات تكوين يتماشى مع متطلبات سوق الشغل المحلي الذي أصبح متعطشا لخبرات مهنية على اعتبار الاوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، و لهذا قرن التعليم بالتكوين المهني في وزارة واحدة (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني) وذلك حتى يتم تطوير وإصلاح هذا قطاع التعليم الذي وجه العاهل المغربي بخصوص مردوديته انتقادات قاسية للحكومة السابقة حيث تمت إقالة وزير التربية الوطنية من منصبه في هذا التعديل الأخير وتعيينه وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالشؤون العامة والحكامة.

فهل فعلا سنرى في المستقبل القريب تطور في التجربة الحكومية بإعطاء دينامية ونفس جديدين للبرنامج الحكومي وإبداع آليات التواصل تلغي ذلك التنافر بين أعضاء الائتلاف الحكومي؟ وإلى متى يمكنها أن تستمر في ولايتها؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة بالنظر في أولويات هذه الحكومة على ضوء المستجدات المحلية والإقليمية سياسيا واقتصاديا وامنيا وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على المغرب، وبالنظر إلى خرجات وتصريحات رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران المتعددة سواء بعد انسحاب وزراء حزب الاستقلال أو أثناء المفاوضات مع حزب الأحرار في تشكيل الحكومة الجديدة، تصريحات وصفها هو بالعفوية لكن نجدها كاشفة عن تمكن الشعبوية من سلوكه في عملية التواصل السياسي بعيدا عن ممارسات تميز رجال الدولة في وضعية دقيقة تمر منها البلاد وهذا ما جر عليه عدة انتقادات وعطل في وقت سابق ترسيم الحدود النهائية للحكومة في طبعتها الثانية.