ألبرتومورافيا .. استحق 'نوبل' ولم يحصل عليها

لغة رافضة لكل ما هو طبيعي

ألبرتومورافيا، واحد من أهم كتاب القرن العشرين، رغم عدم فوزه بجائزة نوبل، التي ذهبت إلى مواطنيه لويجي برانديللو وجوسو كاردوتشي، وجراتسيا ديليدا، فقد حقَّق الكاتب الإيطالي شهرة واسعة، وعلى مدى أكثر من نصف قرن كتب ابداعات فذة دارت حول موضوعات العزلة، ولا معقولية الوجود، وانعدام الاتصالات والسلوك المعادي للمجتمع.

ولد مورافيا في 28 نوفمبر/تشرين الأول عام 1907 بروما، وكان والده مهندساً معمارياً ورساماً، وما كاد الفتى يبلغ التاسعة من عمره، حتى أصيب بمرض خطير (سل العظام)، الذي أقعده عن الحركة، وفرغه لقضاء كل فترة المراهقة متنقلا بين المصحات، ولم تكن أمامه وسيلة للترفيه أو التواصل مع العالم الخارجي سوى القراءة والاطلاع ؛ لتتفتح ميوله الأدبية، فكتب في عام 1925 أولى رواياته ( المتواكلون).

ولم يكن مورافيا قد شفي تماماً من مرضه، حين خرجت روايته إلى النور، والتي أسس بها لغة رافضة لكل ما هو طبيعي، ففي عام 1935 صدرت له روايته (خيبة الأمل)، وظهرت له مجموعة من القصص بعنوان (شتاء مريض)، و(الأمل)، و(الموت الفجائي)، و(البلبلة)، و(أحلام كسول) و(الضابط الإنجليزي)، وكلها تنطلق من شروط علاقته بالمجتمع الذي جعله يعيش معزولاً، ومرتبكاً أمام كل ما هو حقيقي، وأمام العلاقات الاجتماعية وأمام العالم.

وإذا كان المرض قد حدد مصير مورافيا منذ الطفولة، فإن الفاشية كان لها تأثير حاسم في تكوينه خلال فترة نضجه، فقد أبدى رفضه لنظام موسوليني، ليكون أحد الكتاب المشهورين المعادين للفاشية، وبذلك حسم ما يكتنف اتجاهاته من شكوك، من خلال نقده العنيف وواقعيته المتأججة التي صور بها المجتمع البرجوازي في عصره.

وفي أثناء الحرب العالمية الأولى كتب مورافيا تحت اسم مستعار، فقد أجبرته على ذلك ديانته اليهودية التي لم يعلن عنها مطلقاً، ولم يمارس شعائرها، ولم يحياها ليضع الأسس التي تميز أعماله، وانجذابه الفكري نحو رفض الواقع وما به من تناقضات وصراعات.

ومنذ عام 1930، بدأ يطوف ببعض البلدان الأجنبية، وذاعت شهرته في الأوساط الأدبية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

وفي عام 1944 كتب روايته (أوجستينو) التي علق عليها الشاعر أمبرتوسامبا في عام 1945 يقول: "هو كاتب شرير، لا يجب أن يكتب، فهو يشوه الحب للأسف، لأن مورافيا ليس مجرد كاتب موهوب بل عبقري يشك، وهذا الشك هو الذي ولد شخصية "أوجستينو".

وقد شرع النقاد أقلامهم لتوجيه اللوم والانتقاد له، بسبب أسلوبه الخاص في نزع الأقنعة وكشف المستور عن واقع مرتبك، يحوله إلى كائن رافض وغير متوائم مع مجرياته، ليتولد الشك والانفجار الموقوت بكتابة جديدة، وقد عدّوه من الكتاب المحترفين أكثر مما هو مثقف مهم، وقد أيّد كثيرون وجهة نظر الأديب الفرنسي أندريه مالرو عندما قال إنه كان على مورافيا أن يتوقف عن الكتابة بعد كتابة روايته "المتواكلون".

يقول مورافيا: "إني لا أحب أبداً رواياتي حقيقة، على الرغم من أني أعتني بها أيما الاعتناء فإنها تبدو لي أقل مما كنت أريد".

• التقاط التفاصيل

ولا يتوقف البحث والتحليل لشخصية مورافيا، والذي كان واثقاً من موهبته، الكامنة في التقاط التفاصيل التي تعتمل داخل المجتمع الإيطالي، وتغيراته وتطوراته، في عالمه الروحي والأخلاقي وآماله وآلامه.

ويقول عنه صديقه المخرج بازوليني: كل ما هو ملموس لدى مورافيا هو شيء واقعي مثل الأشياء والمواد والمناظر الطبيعية والأشخاص.

ورغم اهتمامات مورافيا السياسية، وعضويته لبرلمان أوروبا الموحدة، إلا أنه أخلص لفنه، ورفض فكرة (التطوع) بالكتابة، ليكون محترفاً بكل المقاييس، إذ يقول: أعرف أن التطوع لا يمكن أن ينتج إلا أدباً رديئاً .. ولكن بالنسبة لي، فإني أعتبر الكاتب مواطناً مثل الآخرين، ويجب أن يدافع مثل الآخرين عن حريته وحرية الشعب الذي ولد في وسطه، إذا اقتضت الضرورة، وبالسلاح إذا لزم الأمر، وقد عمل مورافيا في تحرير جريدة "المساء"، وهي أكثر الصحف اليومية انتشاراً في إيطاليا، كما نشر مجموعة من الرسائل والقصص القصيرة وأخبار الأسفار، وكانت إصداراته أشد غزارة، عقب الحرب العالمية الثانية، خاصة فيما بين عامي 1947، 1951، حيث نشر رواياته " امرأة من روما" و"التمرد" و"التوافق".

يقول مورافيا: "إننا مثل الزهور نولد ونموت وينتهي كل شيء، فالموت سيأتي ولكن ذلك لا يهمني". بهذه الرؤية واجه سنوات المرض، والحملات القاسية على إبداعه الروائي، والتي تضمنت اكتشاف النبضات الجنسية لدى المراهق، ورسم الانهيار البرجوازي، برودة المشاعر، ونقص الطاقة الحركية.

كان مورافيا يؤمن أن الزمن لا وجود له والشخصية لا وجود لها، ولم يقبل الأحكام الأخلاقية، وسطوة المؤسسات التي كان دائم التشاجر معها، ولا يبالي من سوء الفهم الذي يثيره تفرده، ليؤكد أنه لم يعرف سوى صوت واحد هو صوت تغريد الطيور.

عاش مورافيا حياة مديدة عن عمر يناهز الثانية والثمانين، وحتى وفاته في 26 سبتمبر/أيلول عام 1990 وقد قال لزوجته داثيامارني: "إن الماضي يشبه الفحم، عندما يشتعل لا يتبقى منه سوى الشوائب أي بعض قطع من مادة سوداء خفيفة جداً، إننا ندفئ أنفسنا بواسطته ثم ينتهي كل شيء. (خدمة وكالة الصحافة العربية)