التخلف، حاصل جمع التربية البالية والتصرف القمعي في المجتمعات العربية

قيم بالية للتسلط في اغلب مناحي الحياة العربية

تعود معاناة مجتمعات برمتها في العالم العربي مثل المجتمع العراقي في التصرفات والسلوكيات الى ردائة الاساليب المتبعة في تربية الاجيال اذ لا يزال استخدام القوة والكلمات النابية هي الصفة المثلى للتعامل بين شرائح المجتمع المختلفة.

وتعاني المؤسسات التعليمية العربية من ابنية ومعدات وكوادر متخلفة ومهملة، ولا تزال الانثى تعامل معاملة لا تليق بانسان ومحرومة من حقوها التي اقرها لها دين الاسلام والاعراف الدولية.

وقبل اشهر تعرض احد رموز الاعلام العراقي لحادث اعتداء مُشين على يد مُنتسبي الاجهزه الامنية المُكلفة لحماية المواطن في العراق.

ولم تكن نيتي حينها في استهداف تلك الاجهزة أو من كانت تقف وراءها، ولا في مُطالبة الجهات المختصة بالاقتصاص من الافراد البائسين لتلك المفرزة، كما فعل العدد القليل من وسائل الاعلام التي اشارت الى تلك الحادثة كعمل غير مألوف. مُناقضاً بذلك الحقيقة؛ أن مثل تلك الاعتداءت هي الصفة الغالبة على تصرفات غالبية الافراد في معظم بلدان العالم الثالث ومنها العراق. حيث المرء يُدرب على تَقمص الادوار المختلفة التي تُفرض عليه حسب اختلاف الظروف.

وترى بعض الافراد في المجتمعات العربية تارة يتمثل في دور الجلاد الذي يحاول الاقتصاص من ضحيته بابشع وسيلة وتارة يكون هو الضحية فيستجدي الرحمة! ولكن يكمن السر وراء كل تلك السلوكيات في الاساليب التربوية الخاطئة المتبعة في تلك البلدان ومظاهر التخلف مع نتائج تصرفات الافراد اللامسئول.

وتقف الظواهر التربوبية البالية وراء سوء استغلال السلطة، الانخراط في صفوف الارهاب، التدخل الاحمق في شؤن القضاء، وفي تتابع المهوسين بالحكم والمتغطرسين في تلك البلاد، لنبش خيراتها والاستهتار بأهلها.

وفي حال المجتمع العربي يقتبس من اعمال بعضٍ الاسماء البارزة التي ادخلت مفاهيم جديدة في العلم كدراون مثلاً في نظرية الشهيرة في التطور، وفرويد في الأنا الشهيرة وجبسون في الادراك والعالم الروسي يوري في النظام البيئي وبولبي وميلان في علم الاجتماع واركسون وغيرهم كثيرين، اللذين تملكوا الشجاعة في الغوص في بحور كانت مجهولة حتى لوقت قريب نسبيا.

وسواءٌ اجتمعَ الاتفاق مع كل مكنونات تلكَ النظريات او تم دحض بعضها، الا ان الحقيقة التي لا يمكن انكارها هو انه تم الاقرار على ان تلك الابحاث الاولية مهدت من الطرق الواسعة لظهور مدارس عديدة مختلفة في ارائها ومتشعبة في فوائدها.

وتحث الدراسات على الاهتمام بالتربية المبكرة، واثر المؤثرات المختلفة على ذلك. وفي امكانية بلورة تلك المؤثرات لإتقاء نتائجها السلبية.

ومن بعض أشهر الامثلة للمدارس التي اقتبست من تلكَ الاعمال المهمة، تبنتها او طورتها، مثلا لا حصراً هي مدرسة العالم السويدي بياجيت الذي ترك بصماته القيمة في كيفية قرآة مايجول في عقل الطفل منذ ايامه المبكرة وذلك بمراقبة نظراته وتحركاته.

وبذلك خرج بتفسيره الرائع لمراحل التطور المعرفي التي يمر بها الاطفال خلال سنينهم الاولى. ثم واطسن في نظريته السلوكية ... ولوكمان ومونيشون وغيرهم الذين ربطوا بين جميع مايعانه الفرد من من مشاكل وامراض (العضوية منها ام غيرها) كناتج محصلة تفاعله مع المحيطين به، وكذلك روجرز في دراساته المتعلقة بالفامنزم.

ونكون قد أجحفنا مثل الغربين لو انكرنا تعاليم رسالة الاسلام والنبي الامي، حيث وضع الاسلام اسسا وقواعد في تحسين المجتمع بداء من حُسن التعامل مع الطفلِ والشيخ؛ اليتيم والمسكين؛ والمرآة الام والاخت والزوجة؛ ومع السائل والاسير والعبد؛ الجار القاطن والعابر، والمسلم واهل الكتاب؛ الحيوان والجماد. وغيرها من المفاهيم التي توصل اليها واقرَّ اهميتها عُلماء الغرب بعد اكثر من الف ونيف من الاعوام.

ومع هذا نجد ان اغلبية المجتمعات الاسلامية فضلت الالتصاق في مظاهرها العشائرية البالية وابت من تركها او تطويرها فشوهت لغير العارف بها حتى مفاهيم تلك الرسالة الجليلة بالضنون.

فلا يزال الذكران في تلك المجتمات مرغمون في ابداء الخضوع لشيوخهم وكل من يزيدهم قوة اونفوذا. خضوعا خارج مقايس الطاعة المباحة ضمن السلم الوظيفي او المرتبي او الاخلاقي.

ولا تزال المرأة في تلك المجتمعات تعاني من الامرّين كما عانت امها في عصور الجهالة، فهي مهانة في بيت ابيها ومنذ لحظة دخولها بيت الزوج تتحول الى اسيرة لتلبي رغبات ومطاليب سيدها المستأسد المتجبر في البيت.

ولا غرابة من ان نجد بأن المواطن العادي مثلاً يدفع من قوت اطفاله لأدامة ديوانية ذلك العالة المتسلط بمختلف اسمائه، سواءُ أكان شيخا متسلطا، معمما، شرطيا في الامن او برلمانيا عضوا في الحكومة.

او حين يساهم في ارسال ذريته الى مضاجع الدول المتقدمة للاستجمام او الدراسة او للعلاج. حيث يُصرَف عليهم مصاريف تكفي لبناء مستشفيات ومدارس في الوطن، يكفيهم والفقراء اللذين يَصرفون عليهم.

وجدير بالذكر ان لنفسية الوالدين في اكباتها ومعاناتها المتراكمة اثار لا يحمد عقباها في تكوينة شخصية اطفالهم المستقبلية. حيث ان الجنين ومنذ اللحظات الاولى من دورة حياته وهو يجادل من اجل البقاء، يتأثر من تلك الاكبات المتشنجة والظروف القاهرة المصحوبة بالآلام والاوجاع المزمنة التي يستقبلها من والديه.

والام التي تغذي طفلها بالغذاء المحمول له من دمها. غالبا ماتكون اضعف الاطراف التي تعاني من تلك العوامل القمعية وبلا هوادة. كناتج لتعرضها الدائم الى مفاهيم مجتمعية قهرية وخاطئة.

ويفرض المحيط على الام من الاوامر البالية والتي قد لا تتفق مع وعيها وادراكها ولكن عليها أن تتقبلها وتكبتها في دواخلها شأت أم ابت كما فعلت أمها من قبل.

وفي جملة تلك المظاهر الاجتماعة المترسخة والأساليب التربوية البالية وعدم الاكتراث في التنشئة المبكرة للفرد، تكمن سلوك الافراد اللامسؤل ونتائجها العكسية على نمو وتقدم المجتمع.

واقتبس من الباحثة الانكليزية دبرا اليكوك في تشبيهتها لتكوينة الافرد على شكل حلقات تماثل حلقات جلدة البصل، وادعائها انه قد ترسخت تحت كل جلدة من تلك العوامل المؤثرة في سلوكية الفرد، متأثرةَ في كيفية تعامل وقبول الاخرين له.

وتكفي هذه الدراسات كدلالة على ان اي محاولة جادة لتطوير المجتمع يجب أن تبدأ من التعامل السليم مع الفرد وتحسين تربيته منذ اللحظات الاولى من بدء تكوينه. ففيها يكمن سرّ امكانية تحسين بقية العوامل الاخرى ومنها البيئية والوراثية والاجتماعية ايجابيا.

وما اعنيه بالأساليب التربوية السيئة، هي تلك الطرق المتبعة في تربية الطفل التي يتأثر بها في مراحل حياته المختلفة، من كل من هم على اتصال مباشر او غير مباشربه. بدءاَ من مجتمعه الصغير المتمثل بالوالدين وافراد اسرته المحيطين به، وتأثيرات بعضهم على البعض الاخر على حسب اختلاف درجة القرابى والقربة بينهم. انتهاءا الى تلك الارهاصات التي يتعرض لها الطفل من محيطه الخارجي او المجتمع الاوسع المتمثل بالمدرسة والمنطقة او المحلة الذي يتربى فيها.

وللمؤسسة العلمية او التعلم المباشر من المدرسة خصوصا الدور الاهم وابلغ الاثر في كل ذلك. لانها وجدت اساسا من اجل تربية الطفل وتهيئته على اسس وقواعد علمية صحيحة وسليمة لا يرتقيها الشكوك ولا الضنون.

ويُحتذى بالمعلم في مجتمع مثل العراق كقدوة بل رسول يقتدى به الطالب في مراحل حياته المختلفة وفي طريقة تصرفاته وتعامله مع الاخرين. فما بالك لو انَ هذه المؤسسة العلمية هي نفسها مشوبة، متهرئة وبالية وترتكز على ركائز قديمة ومتعفنة.

وأغلب من في ادارت المؤسسات التعليمية متخلفون عاجزون عن تطوير انفسهم فكيف بهم في مصائر الاجيال. وذلك المعلم الرسول ليس الا فقاعة او وغف مخادع واول ما يتعلمه الطفل منه هو في كيفية الاخضاع و كيفية الخضوع للآخر بفرض القوة.

ويكمن سر قوة المعلم واحترام الطفل له في عصاه قبل علمه ويتحاشاه خشية من تعرضه للاستماع لكلمات نابية وتعليقات متداولة مستمرة يستخدمها في احباطه وتجريحه كأستخدام رجل الشارع غير المؤدب له!.

واذا كان المعاملة اللفظية النابية واستعمال القوة شيء وارد مع الطالب الصحيح المعافى ليخلف اثارا سلبية ونتائج جانبية ونفسية عليه. فما بالك مع الطالب الذي يعاني من عوق جسدي او يعاني من صعوبة في التعلم حين يحشر للمقارنة العلمية غير العادلة مع من لا يوازيه في الكفاءة من اقرانه في قابلياتهم ومؤهلاتهم العقلية والبدنية!.

وتركز الابحاث المقارنة على مدى بلاغة الاثار النفسية السيئة التي تتركها مثل تلك المعاملات اللفظية غير السليمة على شخصية الفرد. التي تفوق في اثارها تلك الناجمة من استعمال قوة العضلات حين التعامل مع الطفل او حين حثه على التعلم.

والسؤل المحير هو، هل ان المربي "الوالدان" اوالمعلم على وعي ودراية بتلك الاضرار الذي يخلفها سوء معاملتهم تلك مع الاطفال؟.

فاذا كان الجواب بنعم وهو يصر عليها حينها يجب توبيخه ومحاسبته، واما اذا لم يكن عارفا بها فيجب توجيهه و تدريبه. لان عقبة ذلك ليس على الطفل فحسب بل المجتمع ككل.

والطفل حين تعرضه لمثل تلك المعامل يسجل تفاصيلها الدرامية في دماغه بلا دراية او وعي ولكنه يتقبلها على قناعة انها مقبولة. ولا شك انه سوف يكررها كلما ارتقى في مراحله اما مَخضوعا يتقبل مثلها اومُخضعا يفجر غضبه في كل من هو تحت امرته، سواء كان اهل بيته او المحيطين به، ظننا منه على انها الطريقة المثلى للتعامل بين الافراد.