ما ناقض نفسه الواعِظُ الهَلِعُ على المبايض والأحواض

ما كنت لأرى فيما قرأتُه في هذه الموعظة لا عِلماً شرعياً ولا وضعياً. بالتالي لم يعد بإمكاني نعته بالعالم ولا بالشيخ. ففي زعمي بحسب الإمام الغزالي – طيّب الله ثراه – ما معناه أن العلم، هو العلم كله، الشرعي منه – بما فيه الفقه – والعام المرتبط بشؤون حياة الناس ومعاشهم.

غير أن واعظنا – على ما يبدو – لم يحز من العلوم الطبيعية سوى بعض التقميش. فقد أضحى من المعلوم أن الجلوس الطويل يضَر بالعمود الفقري، وقد نأى واعظنا بنفسه عن مأزق ذكر العمود الفقري، فهبط إلى الحوض حيث يتربع الجنين المفترض، مما يستدعي التطرق إلى المبايض.

نأي واعظنا بنفسه عن ذكر العمود الفقري ليس بالأمر المستغرب إذ يقود عن وعي أو عن دون وعي إلى "داروين*" (الجملة المتداولة عامياً عن داروين لم يقل بها). فعلى الرغم من اعترافنا بالعلوم التي نشأت لاحقاً للداروينية، كعلم الأجنة، والباتولوجيا (تشريح الأنسجة الحية)، والزمر الدموية، وعلم الوراثة ومشتقاته من كروموسومات والجينوم وأخيراً لا آخراً الـ: {د،ن،ا}. إلا أننا مازلنا نحسب أن داروين قد نطق بالكفر.

وعلى الرغم من قبولنا المذعن بوجود هذه العلوم وفاعليتها، وقبولنا النفعي بنتائجها التطبيقية، في مختلف المناحي، إلا أننا مازلنا مصرين على تكرار رفضنا البات لداروين ونبذنا مقولاته التي أيدتها العلوم التالية للداروينية وطورت كثيراً من مقولاتها مبرهنة ومؤكدة على صحتها.

غير أن العلوم الطبيعية شيء، وقرارات باتة قاطعة، اتخذت وأسميت شرعية، قررها أناس سادت في زمنهم - ليس بعيداً - مصادرة إقليدس التي تقول: الخطان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان. في حين أننا معاصرون لنظرية آينشتاين ولاحقاتها ومنها الهندسة اللاإقليدية التي تقول بعدم التقاء الخطين المتوازيين، وما سيلحق.

على أن واعظنا لم يستطع الخلاص من ورطة خبيئة، ما أكثر ما نقع فيها، وهو أنه قاس "منطقياً" مؤدى عملية الجلوس وراء مقود السيارة صحياً، ولم يقس على العموم مسألة الجلوس ذاتها بحسب النصوص، كما يفعل من يظن في نفسه أنه مولج شخصياً بالوصاية على سلوك الناس. وبهذا فقد أخل واعظنا بما نهى عنه مرجعه "ابن تيمية" نهياً مطلقاً مع أنه كان بارعاً فيه.

ما للواعظين ولقضايا العلوم المتطورة في كل آن! يحاولون إدخال ثوابتهم في متغيّرات العلم من دون أن يخامرهم أي إحساس بالتناقض، فما يفتأ واحدهم يتحدث عن آخر ما طرق أسماعه دون تدبّر المبادئ الأولية للمعلومة، أمام من لا يعرفونها أيضاً، وترى هؤلاء موافقون سلفاً على ما سيقوله واعظوهم، ويفرح أولئك بما يشاهدون من هزّ رؤوس سامعيهم الموافقة دائماً. أتراهم يذكرون الآية الكريمة [كُلٌ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونْ].