عندما يتظاهر شعب 'الماكو' و'الهتافات'

[امن (ماكو)... كهربا (ماكو)... ماي (ماكو).. شغل (ماكو)...معقولة احنا العراقيين هيجي يصير بينا؟]... اسطوانة اعتدنا سماعها من المواطن العراقي وهو يتحدث عن مآسي حياته في وسائل الاعلام للحد الذي اصبح فيه المتلقي يشعر بمساحة من المبالغة في الوصف هذا.. كيف لا وهو يعيشها لأكثر من عقد من الزمن ولا يزال.

الذي لم يعايش الوضع العراقي يكاد يجزم بان العراقيين كانوا سابقا يعيشون حالة من البحبوحة والرخاء والازدهار قل مثيلها في الشرق الاوسط. والواقع يقول ان الشعب العراقي عاش كل تاريخه المعاصر في حالة من الفقر والخوف والاستبداد والحرمان قل نظيره بين شعوب المنطقة. ومع ذلك فهو الوحيد الذي لم يقم بأي ثورة حقيقية رغم كل الماسي التي عاشها، والثورة الوحيدة (اليتيمة) التي يدعيها كانت مجيرة لمصلحة بعض رؤساء العشائر بعدما خذلهم البريطانيون في اعطائهم المناصب التي وعدوهم بها فيما سميت بثورة العشرين.

عاش العراقيون لعقود من الزمن تتقاذفهم الانظمة من حكم ملكي الى حكم جمهوري ثم الى دكتاتورية قمعية دون ان يكون له دور في هذه التغيرات غير الهتاف للحكومات المتعاقبة، الى ان ازاح الاميركان نظام البعث الذي لولاه لما كان العراقي (لا هو ولا ابوه) يستطيع جر صدام حسين للعدالة مثلما ذكر هو بنفسه في احدى جلسات محاكمته.

بعد عشر سنوات من عملية سياسية يمكن وصفها بالمهزلة وفساد اداري ومالي نخر جسم مؤسسات الدولة ينتفض الشعب العراقي (ويثور) لقضية اقل ما يمكن وصفها بانها قضية لا تستحق كل هذا "العنفوان الثوري". فقد تغافل العراقيون عن القتل الذي يحصد ارواحهم يوميا في تصفيات طائفية مقيتة من الطرفين.. والتهجير الطائفي الذي يهدد التركيبة الديموغرافية لمكونات المجتمع العراقي.. وفقدان الامن الذي اصبح سمة الحياة فيه.. وسيطرة ثلة جاهلة بالسياسية وبكل معاني الوطنية الحقيقية على زمام الحكم وعمالتهم لهذه الدولة او تلك.. وتدميرهم للبنى الاقتصادية في العراق، كل هذا لم يدفع بالعراقي الى الانتفاضة والثورة على واقعه المرير بل انتفض واعترض على قانون الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان العراقي وكأنها قضية مصيرية تتعلق بالأمن الوطني للدولة.

نحن هنا لا ندعي بأحقية البرلمانيين في الحصول على رواتب تقاعدية بعد انتهاء دورتهم البرلمانية وإنما نقول انها قضية لا تصل لخطورة القضايا الاخرى التي تهدد العراق، فهو على الاقل موضوع واضح ومطروح في العلن، لكن ما يثير الشفقة على هذا الشعب هو انه لم تستفزه الصفقات العديدة التي تورط فيها بعض المسئولين والتي افتضح امرها وخسر فيها العراقيون اضعاف ما سيخسره في موضوع رواتب البرلمانيين.

لقد سخرت لهذه القضية الكثير من قنوات الاعلام سواء في الفضائيات او وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الاعلامية الاخرى لتبدو وكأنها ثورة مجيدة لشعب كل مشكلته هي رواتب البرلمانيين، وظهر اشخاص يشطحون وينطحون بعد ان ادخلوا انفسهم في قالب الثوار. وكم تمنينا ان نرى هؤلاء الابطال وقد برزوا للساحة في موضوع اكثر الحاحا وأهمية ولكن من المؤكد انهم جبنوا من الخوض في مواضيع اكثر حساسية من موضوع هامشي مثل الذي ثاروا له.

لا يفوتنا هنا ان نذكر بان هؤلاء الذين خرجوا الان في بعض المدن العراقية لم يكلفوا انفسهم عناء الخروج والتظاهر في الوقت الذي اعتصمت فيه مدن عراقية منذ سنتين ولحد يومنا هذا. وللمفارقة فان متظاهري اليوم ومعتصمي الامس لم يشتركا زمنيا في نشاطهم (الثوري)، فبمجرد الاعلان عن النية للخروج في المظاهرات الحالية اخذ معتصموا المدن (السنية) بالتفاوض مع الحكومة للتوصل معها الى حلول لأزمتهم وهذا يوضح عدم التنسيق بين الجهات المعارضة للحكومة او انعدام الثقة فيما بينهم.

ان العبثية التي يعاني منها الشعب العراقي سياسيا وعدم وضوح رؤى سياسية معينة لن ينتج عنها سوى عبثية اكثر وانعدام اكثر في الرؤية، وان خروج مظاهرات واحتجاجات لصغائر الامور في العراق وترك الامور الخطيرة يتلاعب بها المفسدون والمجرمون كيفما شاءوا لا تشير الى بطولة شعب بقدر ما يشير الى فقدانهم لهذه البطولة، وأقول للمتظاهرين الحاليين وباللهجة العراقية الفصيحة "عمي ارجعوا لبيوتكم انتم مو مال هيج سوالف".