مسارات حقوق الإنسان في المغرب وتجاهل الخارجية الأميركية في تقرير عن الصحراء

بعد مشروع المقترح الذي صدر عن الخارجية الأميركية من اجل عرضه على مجلس الأمن في ابريل الماضي بخصوص توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لتشمل مراقبة حقوق الإنسان الذي اعتبرناه في حينها مناف لأعمال السيادة، على اعتبار أن قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر سنة 1991 المنشئ لـ المينورسو، وقد جاء بناء على تقرير الأمين العام للأمم المتحدة رقم S/22464، من أجل إيجاد تسوية للنزاع المسلح بين الدولة المغربية وجبهة البوليساريو ولا يوجد أي داعي سياسي أو مسوغ قانوني كان يوحي بضرورة توسيع لصلاحيات هذه البعثة الأممية ونجحت تدخلات العاهل المغربي بشكل شخصي لوقف تمرير التقرير بذلك الشكل.

ها نحن الآن أمام تقرير آخر صادر عن نفس الجهة والموجه إلى الكونغرس الأميركي حول وضعية حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، حيث أن مضامينه لا ترقى إلى مستوى التقارير الموزونة والمعززة بالأدلة الواقعية والمصنفة بشكل يتسم بالحيادية، حيث أن ربط المساعدات العسكرية الأميركية للمغرب بفتح مجاله الترابي بلا قيد أو شرط لتدخلات ممثلي الحكومات والمنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان والصحافة الدولية فهذا الأمر تمهيدا لفصل الصحراء تدريجيا عن امتدادها الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي داخل المملكة والعبث بسيادة المغرب الإدارية والسياسية.

حقوق الإنسان تمثل خيارا استراتجيا بالنسبة للمملكة المغربية حيث إنها ارتكزت على مبادئ حقوق الإنسان في إطارها الشامل الذي يتمركز حول جانب الحقوق السياسية والمدنية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من اجل العمل في إطار تعددي يضمن الحق في الاختلاف ينتج عنه تدبير الشأن العام على أسس من الحكامة الجيدة وتفعيل قيم العدالة والكرامة لتأهيل المجتمع المغربي لانتاج نموذج إفريقي وعربي متميز ديمقراطيا وتنمويا

ولا يخفى على المراقب لاوراش المغرب الكبرى منها ما يتعلق بتدبير المجال السياسي والاجتماعي أننا أمام منجزات انطلقت لتسير في خطوات ثابتة نحو دولة الحق والقانون. وما إحداث المؤسسات التي تعنى بما هو حقوقي من ضمنها المجلس الوطني لحقوق الإنسان هيأة الإنصاف والمصالحة كتجربة رائدة في مجال العدالة الانتقالية التي تعتبر الأولى من نوعها في العالم العربي والإسلامي، إذ تم تنظيم جلسات الاستماع العمومية لفائدة ضحايا ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعويضهم. إضافة إلى ديوان المظالم والمحاكم الإدارية وإقرار مدونة الأسرة، ومصادقته على العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كل هذا يزيد في رصيد المملكة الحقوقي ويعتبر تعبيرا عن نية صادقة مع عمل متسارع في تكريس القيم الكونية لحقوق الإنسان.

نجد أن التقرير الأخير يأتي في ظرف إقليمي ودولي حساس إذ أن النجاحات التي حققها المغرب عبر دبلوماسية ملكية في اتجاه دول افريقية منها مالي، نجاحات لم ترق لأطراف تعودت أن تحاصر المغرب عبر ملفات حقوق الإنسان نعتبرها نحن ابتزازات سياسية، فكيف لهذا التقرير الأخير أن يتغافل عما قام به المغرب في إطار تعزيز ترسانته الحقوقية؟

في المقابل هناك مؤسسات ودول اعتبرت التجربة المغربية في مقاربة ما هو حقوقي جيدة، أما فيما يخص قضية الصحراء فاقتراح الحل السياسي في شكل مقترح الحكم الذاتي فالمغرب لا يمكن المزايدة عليه في هذا الباب، باشر المغرب مشاريع تنموية بالصحراء اجتماعية واقتصادية كخطة استراتيجية لحل النزاع بشكل سلمي وفي اطار سياسي حيث انه قام بتدابير جبارة في اتجاه تطوير الاستثمارات من اجل الرفع من قيمة مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة تطلعا إلى الحفاظ على الاستقرار والسلم الاجتماعي. في إطار الجهوية التي ينص عليها دستور المملكة.

إذن لا يمكن فصل المجهودات التي يقوم بها المغرب عن سياقها السياسي والاجتماعي والعمل على تقييم واقع حقوق الإنسان في الصحراء على أسس واقعية وفي إطار السيادة التي تتمتع بها المملكة فوق أراضيها.

المغرب لم يدخر جهدا في البحث عن الحلول السلمية والسياسية في تدبير قضيته الوطنية وتداول حل الحكم الذاتي مع مجموعة من الدول التي اعتبرت هذا الحل واقعي وعادل لكن البوليساريو وممولتها الجزائر لم يقنعهما هذا المقترح الذي يحاربون تحقيقه لأنه يهدد وجود الجبهة ونظام الجنرالات اللذين يستفيدان من الوضعية الحالية، إضافة إلى انه كان ولازال يلعب على أولويات الحفاظ على التوازنات الجيوستراتيجية دوليا وفي المنطقة وكبح التهديدات الإرهابية المتعددة في منطقة الساحل وجنوب الصحراء، وليس لدى المملكة أي شيزوفرينيا اتجاه تعزيز حقوق الإنسان مع الدفاع عن حقها في تنمية الأقاليم الجنوبية.

لكن مراقبة حقوق الإنسان في أي مكان من العالم من الطبيعي أن يكون تحت بند نظام الترخيص باعتبار سيادة الدولة على مجالها الترابي، وحتى لو افترضنا أن الدولة المغربية انتقلت إلى نظام التصريح فلابد من أن يكون تحت ضوابط معينة وآليات تحمي السيادة. وسوف تقوم كل الجهات المعادية للوحدة الترابية المغربية بالعمل على ابتزاز المملكة من خلال استغلال أي طريق حتى ولو اضطروا إلى تحريك الأذرع المتحركة لهم في كل مكان للتشويش على مسارات الانجاز التي تحققها المملكة.

مؤخرا قام «مركز كارنيجي إندوومنت فور إنترناشنل بيس»، وهو مركز تفكير معروف على الصعيد الدولي، في تحليل له مؤخرا، بتسليط الضوء على المقاربة التي اعتمدها المغرب لحل قضية الصحراء وقد اشاد بهذا الاتجاه الذي اختاره المغرب بشكل طموح داخل في الصحراء معتمدا على توسيع التنمية الاقتصادية والحل السياسي للنزاع على حد سواء.شهادة في حق المجهودات التي يقوم بها المغرب لتحسين عيش الساكنة ومحاربة الهشاشة وقد اكد التقرير على أن معدل الفقر بالصحراء الجهة التي يقطنها 2.7 من سكان المغرب والتي تساهم بـ4 في المائة في ناتجه الداخلي الخام قد تراجع بشكل كبير بنسبة 9ر17 في المائة ما بين عامي 1994 و1999 مقابل معدل وطني يبلغ 1.9 في المائة. ولاحظ صاحب التقرير الباحث جاك روسيليي، الأستاذ بالجامعة العسكرية الأميركية أن الصحراء تتقدم أقاليم المغرب الأخرى، على مستوى شامل، بخصوص مؤشرات التنمية البشرية ويبقى مستوى التنمية بها أعلى من المعدل المسجل بمجمل العالم العربي.

إضافة إلى ما سبق لا يمكن أن نغمض العين على موقف المملكة المشرف في وضعية حقوق المهاجرين بالمغرب حيث أشادت الأمم المتحدة وهيئاتها العاملة بالخصوص المفوضية العليا لغوث اللاجئين والمنظمة الدولية للمهاجرين، بالتقرير الموضوعاتي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول وضعية المهاجرين واللاجئين بالمغرب، والذي حظي بدعم الملك محمد السادس بعدما اطلع على مضامينه، كذلك الترحيب الذي لقيه التقرير داخل أوساط الفعاليات التي تعنى بشأن حقوق الإنسان داخليا ودوليا.

أمام هذه الشهادات المنوهة بمجهودات المغرب نضع تقرير وزارة الخارجية أمام امتحان المصداقية إذن لا يمكن أن يكون تقرير غير حيادي بهذا الشكل إلا في مصلحة خصوم الوحدة الترابية للمغرب والذي أعده من الممكن انه يريد من ورائه الضغط من اجل مكتسبات وملفات ذات صلة إذن فهو في اعتبارنا تقرير سياسي، خصوصا ونحن نرى أن المغرب يشارك بشكل حيوي في هيئات الأمم المتحدة بما تلك المتعلقة بحماية حقوق الإنسان سار قدما٬ ولم يدخر جهدا خلال السنوات الأخيرة بإرادته الحرة في العمل على النهوض بحقوق الإنسان والدستور الذي وافق عليه الشعب المغربي في العام 2011 يعد مثالا ممتازا على التزام المغرب بالنهوض بحقوق الإنسان وترسيخها دستوريا وعلى جميع الأصعدة.