الاعوام التي سبقت انفجار الشرق الاوسط!

كان ذلك بداية القرن العشرين عندما كانت تدور في مصر معارك طاحنة بين المعممين (من اصحاب الفكر الديني) والمطربشين (ممن يضعون الطربوش او الطاقية اي من دعاة الحداثة). انتهت المعارك واسفرت عن لا غالب ولا مغلوب. لم ينتصر احد. ظلت جامعة الملك فؤاد معقلا للمطربشين وظل الازهر معقلا للمعممين وما زال السجال قائما حتى الان. لكن الحدود بين العالمين لم تكن بتلك الحدة فقد درس طه حسين في الازهر. بدأ معمما وانته في كتابة في الشعر الجاهلي اكثر من مطربش!

في هذا الكتاب الذي عرف طه حسين ان "الناس سيخرجون ساخطين علي!" وقد كان يعرف ما الذي حصل مع علي عبدالرازق من قبل عندما رفض فكرة وجود نظام سياسي في الاسلام! قام طه حسين بالشك في عموم الشعر الجاهلي مستخدما المنهج الديكارتي القائم على الشك المنهجي! ولما شب حريق القاهرة عام 1951 كان ذلك رمز لمرحلة تحترق بكاملها. هزم العسكر في فلسطين بعدما ظنوا ان الامر ليس سوى حملة تأديبية (لليهود الملاعين). وضاق ذرعهم بما يجري من مساجلات سياسية بين الوفديين والحزب الوطني وقرروا الخروج من الثكنات. كان ذلك قبل وقت طويل قبل ان يهتف احدا كما يفعل السودانيين هذه الايام ممن يهتفون ضد عسكر الحكم الاسلامي "ايها الحشرات عودوا للثكنات"!

اما في سوريا الاربعينيات والخمسينيات فقد هزمت الدويلات الطائفية المفروضة من فرنسا وحصل نمو مهم في الاقتصاد وسميت سوريا "يابان الشرق الاوسط!". وبدات الحياة السياسية بين متنافسين، حزب الشعب والكتلة الوطنية، عمّدا بداية لحياة برلمانية قبل ان يأتي البلاء الاعظم من العسكريين من حسني الزعيم إلى اديب الشيشكلي إلى عصر الوحدة الفاشل إلى عصر الحزب القائد! ولم يكتب للحياة البرلمانية ان تنضج ببسب انقضاض العسكريين الذين لم تعد الثكنات تتسع لطموحاتهم واكتشفوا متعة السجاد الاحمر والاقامة في القصر الجمهوري!

في لبنان ظلت جمهورية الطوائف قائمة بلا تغيير جوهري من ايام شارل دباس واميل ادة وبشارة الخوري. وظل الاستقرار في لبنان هشا ومعرضا لازمات دورية كما حصل عام 1958 و1975.

اما في العراق فقد حكم فيصل ومن بعده غازي وعبدالاله الوصي على العرش الهاشمي حكما يجمع بين الارستقراطية العشائرية والدينية في ظل اجواء انفتاح نسبية وتحسن في اسعار النفط. وما عدا سكرتير الحزب الشيوعي فهد وعدد قليل اخر لم يقتل احد في ظل هذا الحكم الذي اطاح به العسكريون عام 1958 وقاموا بجر جثة نوري السعيد رئيس الوزراء المخضرم في شوارع بغداد (لم يكن رئيسا للوزراء لحظة وقوع الانقلاب) مفتتحين لعصر العسكر والعنف والقتل المستمر حتى الان.

كان الهاشميون يحكمون في الاردن ايضا وكان اول ما فعلوه بعد هدنة حرب عام 1948 هو سحب العملة الفلسطينية من التداول واحتل اليهود القسم الاكبر وضمت الاردن القسم الشرقي بدون استشارة احد واسمته الضفة الغربية ووضعت مصر حاكما عسكريا على قطاع غزة. وتشرد باقي الشعب الفلسطيني وضاعت فلسطين.

في ذك الزمن كانت الثورة الجزائرية في بدايتها، وفكرة المقاومة الشعبية لم تكن موجودة ضد اسرائيل. وكانت الافكار الماركسية تستهوي عقل الشباب العربي الناقم وكان الفكر القومي العربي بقيادة مصر عبدالناصر يستهوي القسم الاكبر من الشباب الباحث عن بطل منقذ.

فيما بعد حصلت حرب 1956 التي عمقت الشعور بضرورة اتحاد العرب لكنهم لم يفعلوا. ثم جاءت هزيمة 1967 التي ضاعفت من مشاعر المرارة والهزيمة والتشرذم. قال ياسين الحافظ ان الهزيمة سببها غياب الديموقراطية وقال صادق العظم ان السبب هو ثقافة الاساطير الدينية. فيما بعد دخلت القوات الاسرائيلية بيروت ودخل الجيش الاميركي العراق المرهق من حروبة العبثية مع ايران.

ظل الغرب على ذات السياسة الثابتة: دعم لاسرائيل والانظمة العميلة ومحاربة اي فكر عربي يوحد العرب.

ظلت الثقافة العربية وحتى الان "الامة" الوحيدة الباقية الحامية في ظل التشرذم السياسي. وولدت منظمة التحرير وانشد درويش قصائد لنضالها وبدأت فلسطين تصحوا من سباتها ثم غرق الفلسطينيون بذات الامراض العربية ذات العدوى القاتلة ادي لتراجعات واتفاق مجحف مع اسرائيل. تصاعد دور الدول الخليجية التي ازدادت ثروتها بسبب ارتفاع اسعار النفط والتي لم تعد ترضى بدور دفتر الشيكات بلا دور سياسي بل وثقافي.

في تلك الفترة مات معظم مطربي الزمن الماضي من أم كلثوم لعبدالحليم وبدأ عصر الاغاني الهابطة! وازداد الوضع سوءا في معظم البلاد العربية. زادت نسب البطالة إلى معدلات كبيرة، ولم يحصل اي تحسن على مستوى الحقوق والحريات العامة. وبدأنا نرى زوارق الموت التي تحمل شبانا عرب يموتون في البحار وهم يحاولون البحث عن امل لحياة كريمة خارج بلادهم. وفي ظل هذه التراجعات جاءت الثورة الاسلامية في ايران ثم الاسلاميون إلى حكم تركيا وجاء معها المد الاسلامي متأثر بهذه التطورات وطارحا نفسه كمنقذ من احباطات المراحل السابقة. ثم ظهر مفكرون مثل الجابري واركون وحسن حنفي ممن دعوا وكل على طريقته لتحديث الفكر العربي. لكن افكارهم ظلت مشاريع ثقافية محدودة التداول.

ثم جاء عصر الفضائيات وبدأ العرب يعرفون عن بعضهم البعض اكثر من ذي قبل ويكتشفون ان همومهم مشتركة. لكن الانظمة ظلت على حالها وكأن العالم لم يتغير. تراجع الفكر القومي إلى درجة كبيرة وكاد ينتهي الفكر الشيوعي مع نهاية الكتلة الاشتراكية في تسعينيات القرن الماضي. ووصلت الدولة العربية القطرية المثقلة بالازمات المتراكمة إلى مرحلة انسداد افق على مختلف المستويات فقد معه الشباب كل امل.

تفجر الوضع العربي برمته.