صحف إيرانية ... تلفيق كلام لمرجعية النجف

مرجعية الدين غير مرجعية السياسة

كان لانتصار الجبهة الإصلاحية المعتدلة في ايران، بعد فوز حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رد فعل ايجابي واسع داخل المجتمع العراقي؛ فقد تصاعدت الآمال بتصحيح السياسة الإيرانية تجاه العراق بعد سنوات من الانتكاسة والإحباط نتجا عن استخدام العراق من قبل ايران كورقة ضغط في صراعها مع الغرب والقوى الإقليمية المنافسة لها، ودعم ايران لجهات سياسية فاشلة وغير قادرة على القيام بمسؤولياتها في الحكومة وتعزيز اللحمة الوطنية.

لقد تابع العراقيون أنباء التقارب الإيراني – الأمريكي بحماسة آملين بأن يترك آثاره على الساحة العراقية في مسار التصحيح واجتياز العقبات التي حصلت في السنوات الأخيرة.

في السياق نفسه، استقبلت المرجعية الدينية في النجف عدداً من المسؤولين الايرانيين المرتبطين بالشأن العراقي؛ وقد حدث هذا بعد مدة طويلة من القطيعة بسبب امتعاض النجف من السياسة الإيرانية المتشددة في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص في العهد السابق لروحاني، وعليه امتنعت مرجعيات النجف من استقبال أحمدي نجاد خلال زيارتيه الاولى والثانية الى العراق.

لقد وافق بعض مراجع النجف لأول مرة، وبعد مرات متكررة من الرفض، على دعوة اللقاء من قبل عدد من المسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى، وقد دارت المحادثات حول ضرورة الالتزام بمصلحة العراق من قبل إيران، ومحاولة بناء علاقات سليمة مبتنية على المجالات المشتركة، وأن إيران باستطاعتها أن تلعب دوراً إيجابيا مما سيصب في المصالح العليا للبلدين في المستقبل، واجتناب أي محاولة تدخل او إملاء القرارات على الجانب العراقي والذي سيؤدي الى خسارة للجميع على الأمد البعيد.

إثر ذلك استقبل المراجع الأربعة في النجف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، المعروف بالحكمة والاعتدال في العمل الديبلوماسي قبل أقل من شهر. ويعتبر الحدث نادراً فلم تتح الفرصة لأي مسؤول إيراني في السنوات الأخيرة أن يلتقي بمراجع النجف وخاصة السيد السيستاني.

بعث هذا التطور في العلاقات آمالاً بصعود أمواج الاعتدال والحكمة في المنطقة بدل التشنج الطائفي المتصاعد، والذي سيكون العراق أول وأكبر ضحاياه في حال استمراره.

لكن سرعان ما بدأت جهات إيرانية متشددة بالوقوف أمام هذا التغيير، فقد قامت صحيفة كيهان المحسوبة على الأصوليين المتشددين في إيران بنشر أخبار كاذبة عن اللقاء الذي جرى بين السيد السيستاني وظريف. لقد نقلت كيهان العربية عن الوزير الإيراني أن «السيد السيستاني أشاد خلال استقباله له، بقائد الثورة الاسلامية علي الخامنئي، وأكد أن اقتدار الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم إنما هو رهن للقيادة الحكيمة لقائد الثورة الاسلامية، وأن مشاكل العراق إنما تعود لعدم وجود نظير للسيد الخامنئي في القيادة، وأن على الجميع معرفة مكانة هذا القائد، مضيفا بأنه يدعو لسماحته في كل يوم»، وقد نقلت الخبر، مواقع خبرية أخرى من التيار المتشدد دون ذكر أي مصدر رسمي موثوق به من أي من الطرفين.

وقد فند الخبر أحد الأعضاء البارزين من مكتب محمد جواد ظريف، والذي كان على إطلاع كامل بمضامين اللقاء، وهذا في اتصال أجري معه قبل أيام. وقد أضاف الأخير بأن الوزير نفسه ممتعض جداً من نشر تلك الأكاذيب، ولكن يرى أن إصدار أي بيان من قبله سيؤدي الى تصاعد الأزمة، وسوف لا يكون بصالح التغيير المطلوب.

فقد كشف مصدر كان حاضراً في اللقاء تفاصيل الحديث الذي دار بين المرجع السيستاني وظريف، مؤكداً بأن الخبر المنشور غير صحيح إطلاقاً، والذي قاله السيد بحضور الوفد الإيراني بالنص هو: "إنه قرأ كتاب آقاي سفير (وهو كتاب يتضمن حوارات مع محمد جواد ظريف، نشر المجلد الثاني منه مؤخراً) في معظمه وأشاد بخبرته، وإنه أهل ومحل للموقع الذي اختير له، وأضاف أن أمامه مهمة صعبة في ما يخص الملف النووي والعقوبات، وإنه ﻻ بد من الشفافية الكاملة في الملف النووي ما دام أن البرنامج سلميا كما تقولون". وأضاف المصدر بأنه لم يحصل أي كلام حول القيادة اإيرانية، وﻻ التطرق إلى عدم توافر قيادة مثلها في العراق!

وقد ظهر امتعاض واسع من قبل أساتذة النجف الأشرف لنشر هذه الأكاذيب المتكررة من قبل بعض وسائل الاعلام الإيراني المسيئ للنجف ولمرجعيتها ورموزها بشكل خاص، وللشعب والحكومة العراقية عموماً.

يبدو أن ما يطمح اليه التيار المتشدد الإيراني هو اعاقة الدور الإيجابي العظيم الذي قامت به النجف للوقوف أمام التشدد والصراع الطائفي المتصاعد في المنطقة، حيث أفتت مرجعيات النجف بكل صراحة بحرمة الذهاب الى سورية للقتال الطائفي، وقد وقفت بجانب المطالب المشروعة للمتظاهرين والمعتصمين في مختلف مناطق العراق. وقد سببت تلك المواقف غضباً شديداً للمتشددين في الجانب الايراني، مما أدي الى إطلاق انتقادات وهجمات كلامية موجهة للنجف ومراجعها على لسان بعض الخطباء المنتسبين للحكومة الايرانية على القنوات العربية الرسمية لايران في الفترة الأخيرة.

أخيراً في ظل الظروف العراقية المتشابكة بملابسات إقليمية ودولية عويصة، وغياب خطاب رسمي عراقي يحافظ على المصالح الوطنية، يتطلب أخذ الحذر من المحاولات القائمة للوقوف أمام انعكاس خطاب الاعتدال للرئيس الايراني على الساحة العراقية.

علي معموري

كاتب وأكاديمي عراقي