التحالفات السياسية المشبوهة في مصر

التحالفات مشروعة في أي عمل سياسي، وتكتسب أهميتها من قدرتها على تحقيق الأهداف الوطنية، وتتراجع قيمتها إذا سارت في طريق يسعى لتنفيذ أجندة ضيقة، خاصة بحزب أو جماعة محددة. وغالبا يلجأ هؤلاء إلى شعارات براقة وجذابة، تخفي وراءها أغراضا مشبوهة.

شهدت مصر النوعين السابقين خلال الفترة الماضية. لكن كان نصيب الثاني منها وفيرا، لأن ذوي الأهداف الوطنية الخالصة لم يكتب لهم النجاح، بسبب العثرات المتعددة التي واجهوها، وأدت في النهاية إلى الإنزواء، أو في أحسن الأحوال إلى انخفاض صوتهم، وسط الضوضاء التي أثارها أنصار الفريق الثاني (المشبوه)، ومكنتهم من تمرير عملية صعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم بسلاسة، والتخلص من غالبية خصومهم السياسيين، وقصقصة أجنحة المنافسين المحتملين.

هذا التوجه، إلتحف برداء أخلاقي في البداية، فعندما ظهرت نواته عقب ثورة 25 يناير- كانون الثاني 2011، من الإخوان وأنصارهم من السلفيين، بالاضافة إلى قطاع عريض من اليساريين والليبراليين، رفع شعارات جذابة مثل التخلص من دولة مبارك البوليسية، ويسقط يسقط حكم العسكر، والحفاظ على كرامة المواطن المصري، ورفض امتهانه الإنساني، والسعي للحرية، وتحقيق العدالة الإجتماعية، وما إلى ذلك من عبارات دغدغت مشاعر الناس في حينه. وكان الدكتور محمد البرادعي رقما مهما في هذه المعادلة، واستفادت منه الإخوان كثيرا. وبعد التمكن من السلطة انقلبت الجماعة على غالبية الحلفاء. ومنهم من ابتعد عنها طواعية، ومنهم من اضطر للذهاب بعيدا، عقب اكتشاف ضخامة الخدعة التي روجها تنظيم الإخوان، وأدت إلى تكريس الإنفراد بالحكم، وتعمد تحييد أو التخلص من الأنصار والمتعاطفين، وجميع من وقفوا في خندق واحد.

عقب السقوط السياسي الكبير الذي لحق بالإخوان، بفعل ثورة 30 يونيو - حزيران 2013، عاد شبح تحالف 25 يناير- كانون الثاني يطل برأسه مرة أخرى. فالجماعة بدأت عملية تسويق واسعة لشعارات براقة قريبة مما نجحت فيه من قبل. فهي حسب مضمون خطابها السياسي الراهن، تتعرض لحملة ترويع أمنية لا مثيل لها، وأن "العسكر" قادمون لحكم مصر، والبلاد لم تتخلص من فلول الحزب الوطني المنحل، ولا يزال أنصار نظام حسني مبارك موجودين في السلطة، وتتباكى على الحرية المفقودة، والكرامة التي أهدرت، وللمرة الثانية جذبت هذه الشعارات فئة من السياسيين، المحسوبين على التيار الليبرالي واليساري، وطبعا والإسلامي. غير أن هذه المرة تبدو قاعدة التحالف أقل عددا وأوهن تماسكا، حيث خرج قطاع من الليبراليين وانحازوا إلى مربع الدولة الوطنية الذي تقف في طليعته المؤسسة العسكرية، وبقيت شريحة ممن عرف عن أصحابها علاقاتهم الوثيقة بالولايات المتحدة الأميركية، تستخدم العبارات نفسها التي يقوم الإخوان بتصديرها للداخل والخارج.

من جهة ثانية، خرجت فئة كبيرة من اليساريين، عمادها الرئيسي من الجناح الناصري، المؤيد للدولة الوطنية واستقلالية القرار، ويدعم هؤلاء خطوات الجيش والشرطة ضد عنف الإخوان وحلفائهم المتطرفين في سيناء وبعض المحافظات، الذين قاموا بعمليات إرهابية مختلفة. وبقي إلى جوارها ما يسمى بـ "الاشتراكيون الثوريون"، وهم مجموعة من الشباب المتمرد على أي مظهر للحكم العسكري، ومعظمهم ممن منحوا الجماعة غطاء جيدا لإحراج المجلس العسكري، بعد ثورة 25 يناير- كانون الثاني، ووظفتهم جماعة الإخوان في عمليات سياسية كثيرة، والآن عادوا، لشعاراتهم المكررة ضد الجيش، وسواء قاموا بالتنسيق والتعاون عن قصد أو بدونه، فحصيلة تصرفاتهم تصب في صالح الجماعة، حيث بدت أنها ليست بمفردها ضد السلطات الرسمية. وكذلك انشطر السلفيون، فانضم منهم فريق (متطرف) إلى طريق الجماعة، ومال آخر لخطاب الدولة الوطنية.

ظهور البرادعي في المشهد السياسي خلال الأيام الماضية، أعاد للأذهان الصورة التي كان عليها تحالف 25 يناير - كانون الثاني، فمنذ الضجة التي أحدثتها استقالة الرجل من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية، بعد عملية فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالأدوات الأمنية، وقد اختفى تماما من على الساحة السياسية، وبقيت ارتدادات الاستقالة والتعليقات التي خلفتها من قوى حزبية وشبابية متباينة، إلى أن كتب في حسابه على تويتر يوم 29 سبتمبر- أيلول الماضي "تويتة" أشار فيها إلى أن العنف لا يولد إلا العنف، وقال هناك حملة وصفها بالفاشية والممنهجة ممن أسماهم، الإعلام المستقل والمصادر السيادية، ضد الإصرار على الإعلاء من قيمة الحياة الانسانية وحتمية التوافق الوطني.

هنا عادت بورصة التكهنات تضرب أخماسا في أسداس، لأن كلام الرجل تجني من ورائه الإخوان مصالح عدة، ودون دخول في ما يشاع حول ولاءات البرادعي، وما تردد بشأن لقاءات عقدها مع أعضاء في التنظيم الدولي، فهذا الحديث يعيد على الفور الشعارات الانسانية التي تسعى الجماعة لتوظيفها في عملية تسديد الضربات المتبادلة وبينها وبين السلطات الرسمية.

كما أن ظهور عبدالمنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي السابق والمنشق عن الإخوان، أضاف للمسألة بعدا آخر، حيث بدأ الرجل يعيد تمديد خيوطه مع الجماعة، ويكثف من حضوره الاعلامي، وأخذت بعض الجماعات الليبرالية واليسارية المتعاطفة مع الإخوان، تعتقد أنه رقم مهم في المرحلة الحالية، كمرشح قوى محتمل، يمكن أن يحظى بتوافق داخل لمعسكر، تعمل آلته السياسية والاعلامية على الاستفادة من غياب البرامج المقابلة، على أمل اعادة تكرار مشاهد الانتخابات، البرلمانية والرئاسية، التي اكتسحها تحالف 25 يناير- كانون الثاني. فإذا كانت القوى الداعمة لثورة 30 يونيو- حزيران تعاني من مشاكل هيكلية، والفريق أول عبدالفتاح السيسي لا يزال مصرا على رفض الترشح للرئاسة، فالفرصة تبدو مهيأة أمامهم للعودة للأضواء، وربما يصعد الإخوان للحكم على أكتافهم، وفقا للحسابات النظرية.

الواقع أن هذا التحالف، يريد انتاج المشهد السابق، في ناحيتين: الأول وضع العثرات في مسار السلطات الرسمية، وتعطيل خريطة الطريق التي جري رسمها بعناية لتجاوز مخاطر المرحلة الانتقالية، من خلال الاستمرار في المظاهرات والاحتجاجات وتكدير حياة الناس، حتى يضطروا لفقدان الثقة في الحكومة، وارباك المؤسسة العسكرية التي قطعت شوطا في التخلص من الإرهابيين في سيناء؛ والناحية الثانية العزف على وتر الأبعاد الانسانية والحديث عن عودة الدولة البوليسية، واسترداد الكلمات الجوفاء حول حكم العسكر، وغيرها مما ردده التحالف السابق. لكن فاتهم أن عجلة الزمن لا تعود للوراء، وأن الانسان لا ينزل البحر ذاته مرتين، وأن أخطاء المجلس العسكري جرى تحاشيها، بدليل الحنكة التي يدير بها الجيش، علاوة على أن الشعب وقواه السياسية الحية استوعبت الدرس، وعلى درجة عالية من الاستنفار ضد هذا الفريق، الذي يقوده الإخوان، في العلن والخفاء.