قراءة في وثيقتي 'الشرف' و'السلم الاجتماعي'

اسباب ودوافع

من الصعب على السياسي استعادة ثقة المواطن فيه، بعد سنوات من الفشل والاخفاقات المتكررة. لهذا ففي الدول العريقة بالديمقراطية يسارع الى تقديم استقالته حال وجد انه ليس بامكانه قيادة البلاد، مفسحا المجال امام من يثق فيه المواطن في انه سينجح في ادارتها ويعالج فشل سلفه او يصحح اخطاءه.

الاستقالة تعني اقراره بالفشل وغالبا ما تترافق وتقديم اعتذار من الشعب. هذا حين يكون السياسي هدفه خدمة البلاد، لا خدمة حزبه او نفسه.

اللقاء الذي عُقد مؤخرا لأطراف في العملية السياسية وانبثقت عنه ما اطلق عليهما بـ وثيقتي.. "السلم الاجتماعي" و"الشرف"، إنما عُقد لتدارك الوصول الى نقطة لا يستطيع عندها اي طرف منهم الاستمرار في تضليل وخداع الشعب لكسب اصواته كما حصل في مرات سابقة وبخاصة وان موعد الانتخابات المقبلة يقترب.

كذلك فان المنطقة على موعد وتغييرات واسعة، ومنعطفات حادة، ستؤثر بلاشك على طبيعة التحالفات السياسية في الداخل وفي العلاقات الاقليمية. بل ربما ساعدت على انبثاق قوى جديدة، وهو ما دفع اسامة النجيفي الى زيارة تركيا وايران بمباركة الاطراف السياسية بخاصة القابضة منها على مسار السلطة.

قراءة سريعة لبنود الوثيقتين الـ (26) نجد اعترافا ضمنيا بالفشل الذي رافق العملية السياسية وعمل الحكومات المتعاقبة ومن قبل، مجلس الحكم الانتقالي طيلة العشر سنوات الماضية. لكن في نفس الوقت نجد الاصرار جليا من تلك الاطراف السير نحو الطريق المسدود.

الوثيقتان لم تتضمنا اي وعد باصلاح الأسس التي قامت عليها العملية السياسية وتسببت بهذا الفشل، وباستمرار الصراع السياسي الذي ادى بدوره الى صراعات مجتمعية عمقت الخلافات بين الطوائف والاثنيات العرقية.

فأي سلم مجتمعي هذا الذي سعى اليه المجتمعون وتضمنته وثيقة "السلم الاجتماعي" وهم لم يلامسوا حتى مسببات الصراع، وعمق الخلافات بينها عموديا وافقيا؟

ان اسس.. التوافق، المحاصصة، الفيدرالية بفهمها السطحي، التوازن في مؤسسات الدولة على اساس عرقي طائفي، وغيرها... هي من دفعت باتجاه هذا الصراعات المتواصلة منذ العام 2003 والى اليوم. وهي التي عمقت ووسعت رقعة الصراع المجتمعي وتهدد وحدته.

ثم ان غياب قوى وشخصيات مؤثرة في الساحة السياسية عن هذا اللقاء سيكون له اثر كبير في صعوبة تطبيق بنود الاتفاقية، وهو دليل اخر ايضا على ازمة الثقة بين الاطراف السياسية.

من القراءة السريعة ايضا لبنود الاتفاقيتين، أرى ان الصياغة اللفظية كانت تتعمد ترك فراغات كثيرة عن مفاهيم ستكون محل خلافات بين الموقعين حين تبدأ اللجان التي سوف تتشكل لمتابعتها وتنفيذها، فتنفتح ابواب التأويلات على مصاريعها.

نتبين ايضا، من متابعة خطب القياديين التي القيت، ولعهم بالصياغات البلاغية والانشائية التي حاولوا ان يخفوا من ورائها الكثير من الحقائق التي تضعهم امام مسؤولياتهم عن الكوارث التي حاقت بالبلاد.

الغام الوثيقة

اضحت كثرة اللجان التي شُكِّلت لمحاولة حل الازمات التي تترى او للتحقيق في كثير من المخالفات، احدى اشهر الظواهر في العراق، وما اكثرها. واللجان هذه تختفي بمجرد تشكيلها ولا نعود نسمع عنها ولا عن نتائج ما توصلت اليه فتستمر الازمات بالتراكم. حتى اضحى المواطن العراقي يَتَطيَّر من تشكيل اللجان ويستقبل اخبار تشكيلها بسخرية مرة.

في النقاط الـ 16 التي تضمنتها وثيقة "السلم الاجتماعي" وتمخضت عن اللقاء الاخير بين اطراف سياسية، نقرأ صياغات ستوسع من الخلافات بدلا من تضييقها. فستختلف الاطراف – كما عودونا دائما- حول مهمة "اللجنة العليا" وصلاحياتها وآليات عملها وقبل ذلك عن نِسَب التمثيل فيها. وفيما اذا كانت نسب التمثيل تخضع الى مبدأ المحاصصة ام وفق اسس اخرى..! فقد تأجل الاتفاق على عدد المشاركين فيها من قادة الكتل السياسية حتى موعد تشكيلها، كما جاء في البند الاول من الوثيقة المذكورة.

ليس مستبعدا ان يدب الخلاف منذ البداية حول تشكيل هذه اللجنة وربما افضى الى استعصاء سياسي وبالتالي سيكون مصير الوثيقة على بؤس ما جاء فيها مثل مصير سابقاتها من الوثائق والاتفاقيات.

ان ما يطلق عليها الغام الدستور نراها زُرعت ايضا هنا في هذه الوثيقة كما في الوثائق والاتفاقيات التي سبقتها. فقد جاءت الصياغات تحتمل اكثر من تفسير وبهذا ستكون حين البدء في تطبيقها مثار خلافات فتتحول الى ازمة جديدة بدل ان تحل ازمات قديمة.

اعتماد مبدأ التوافق في معالجة الخلافات كما جاء في النقطة (4) يعيدنا الى احد اهم معيقات تشريع القوانين وهو ما لم نكن نأمله. اذ ان الكثير من القوانين تعطل تشريعها او خضعت للمساومات وللمقايضات ما بين الكتل السياسية نتيجة هذا المبدأ. كان من الضروري وضع مصلحة البلاد في المقدمة. الاصرار على اعتماد هذا المبدأ يعني ضمنا ان اللقاء لم يتوصل الى نتائج لحل الازمات وان ما جرى لم يكن سوى لقاء بروتوكولي الهدف منه مواصلة اسلوب التضليل من اجل ضمان اصوات الناخبين في الانتخابات التشريعية المقبلة ليس الا.

فبدلا من مناقشة اسباب الازمات والصراعات التي ما تفتأ تؤثر في مجمل الاوضاع الامنية والاقتصادية والخدمية وهي: المحاصصة الطائفية، العرقية والتوافقات السياسية المستندة الى المحاصصة. وبدلا من اعادة النظر في بعض مواد الدستور وصياغة البعض الاخر منها وهي احد اهم مسببات الخلافات الحادة بين اطراف العملية السياسية. بدلا من كل ذلك لا نرى لدى قراءة بنود الوثيقة سوى تأجيل للحظة التصادم التي توشك ان تحين نتيجة للمتغيرات الاقليمية وما تولده من ازمات جديدة، العراق ليس بعيدا عنها بل واحيانا مشاركا فاعلا فيها.

العصا والدولاب

لا اظن ان دستورا في العالم دار حوله من الخلافات الكثير وما يزال كالدستور العراقي. فقد اختلف الناس ومعهم بعض الساسة عن معنى ان يكتب دستور في ظل الاحتلال ثم على لجنة كتابته. اختلفوا في نِسَب من يمثل المكونات في اللجنة، واختلف اعضاء اللجنة على الكثير من فقراته قبل ان يُقَّر بصيغته النهائية وسط اعتراضات من ممثلي بعض المكونات وبعد ذلك اختلفوا على موعد طرحه للاستفتاء.

وبعد الاستفتاء عليه بالصيغة النهائية التي بين ايدينا اليوم، مايزال الساسة يختلفون في الكثير من تفسير فقراته. ولأن فقرات الدستور صيغت بأسلوب يجعل منه "حمّال أوجه" كما قال علي بن ابي طالب في القرآن – مع الفارق- فقد صار كل طرف من الاطراف السياسية يؤوله حسب فهمه وحسب هواه ومصالحه وتوجهاته واهدافه.

لقد صار تأويل الدستور عائقا امام الكثير من التشريعات التي يُنتظر ان يُقرها مجلس النواب كما صار سيفا مسلطا بيد السلطة التنفيذية كلما احتاجت ذلك.

وكلما دب خلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول تشريع بعض القوانين حملت الاخيرة المشروع مرفقا مع الدستور الى المحكمة الاتحادية التي عادة ما يأتي حكمها موافقا لهواها او بالأحرى لهوى رئيسها.

وفي وثيقة "السلم الاجتماعي" التي يفترض انها انبثقت عن لقاء لحل الخلافات والالتقاء على كلمة سواء من اجل مصلحة البلاد كما يزعمون، وبدلا من منح الفرصة للجنة التي سوف تتشكل لتنفيذ بنود الوثيقة كي يتحقق الهدف المنشود من وراء اللقاء، نجد ان هذه اللجنة أُلزِمت باعتماد الدستور "مرجِعا اساسيا ومعيارا في كل قضية نص عليها" كما جاء في الفقرة ثانيا من الوثيقة.

الدستور ليس نصا منزلا من السماء ليتم التعامل معه بهذه القدسية المُفْرِطة وبخاصة حين يكون محل خلاف في تأويل بعض فقراته، والبلاد تعيش ازمات يستوجب علاجها تداخلا جراحيا سريعا.

ان مصير البلاد ارضا تتعرض الى محاولات لتفتيتها وشعبا الى تمزيقه طوائف وعرقيات، يستوجب وقفة جادة بعيدا عن محاولات الهيمنة والاستئثار وراء دعاوى الالتزام بالدستور.

الدستور يتم خرقه على مدار اليوم من قبل المؤسسة التنفيذية واجهزتها، فيما يخص الحقوق المدنية، من تضييق على الحريات الشخصية واعتقالات عشوائية ومنع للتظاهر، وراء حجة الحرب على الارهاب.

واذا كان لابد من ذلك فليصار اولا الى تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين المحايدين تنظر في الفقرات محل الخلاف والتي أُقرت في وضع كان استثنائيا بكل المقاييس واعادة صياغتها بالشكل الذي لا يسمح بفهمه من خارج نصوصه، قبل البدء بتشكيل لجنة تنفيذ ومتابعة ما جاء بالوثيقة. فاللجنة لن تتمكن من ايجاد السبل الكفيلة لحل الازمات وهي مكبلة بتأويلات تعتبر خروجا على مقاصده.

هذا حين تكون النوايا حسنة وحين تكون هناك ارادة حقيقية لانقاذ البلاد مما هي فيه وتوجها وطنيا خالصا.

التورية والتشفير في وثيقة

لابأس من تكرار ان اللقاء الذي ضم سياسيين وصدرت عنه وثيقتا "الشرف" و"السلم الاجتماعي" كان مجرد لقاء بروتوكولي الهدف منه مواصلة تضليل الشعب من اجل حصد الاصوات في الانتخابات التشريعية المقبلة بعد ان وجدوا من الصعب اعادة انتخابهم لدورة اخرى، كما حصل في الانتخابات المحلية الاخيرة.

في الوثيقتين الكثير مما يشي بما ذهب اليه اصحاب هذا الرأي الذين ماعادوا يصدقون ما يقوله السياسيون ويشككون بكل تحركاتهم ويرتابون من جميع توجهاتهم.

كثيرة هي الالفاظ والعبارات المبهمة التي تضمنتها فقرات وثيقة "السلم الاجتماعي" لكنا لن نعثر على فقرة اكثر إبهاما ومداورة وتشفيرا وتورية من الفقرة (6) للوثيقة المذكورة.

نص الفقرة (6) من وثيقة "السلم الاجتماعي": "ما يصدر من اللجنة هي توصيات محترمة يسعى المشاركون في المبادرة لخلق الاجواء المناسبة لتنفيذها وبما يحقق مصلحة العراق وشعبه."

جاءت هذه الفقرة محملة بنهج التشفير ذاته الذي صيغت به الكثير من فقرات الدستور الحالي وبعض الاتفاقيات التي عقدت بين الكتل السياسية وخطاب ساسة ورجال دين مؤثرين. حيث تفتح ابواب التأويل ومعها ابواب الخلافات والصراعات، مصدر جميع الازمات التي مرت وتمر بها البلاد. انه الاسلوب المفضّل لدى احزاب الاسلام السياسي للتملص من التزامتهم ولمواجهة القضايا المستجدة خارج اطار التراث الفقهي الديني. انها لعبة الكلمات او بالاحرى التلاعب بها.

فاللجنة التي ستتشكل بعد مخاض عسير بالتأكيد بسبب ما وضع في الفقرة (1) من معرقلات حول الاتفاق على عدد اعضائها، فستنحصر مهمتها في اصدار "توصيات" وليس قرارات. القرار عادة ما يكون ملزما ويتطلب آلية لتنفيذه ويصدر بعد حوارات ونقاشات تحدد فيها المشكلة بدقة وتحليلها وطرح الحلول والبدائل لتنفيذها. وهو بَتّ نهائي فيما يجب وما لا يجب تنفيذه للوصول الى نتيجة محددة سلفا (الهدف المعلن للقاء وهو هنا.. "السلم الاجتماعي")، فيما التوصيات هي مجرد اقتراحات ممكن الاخذ او عدم الاخذ بها. وليست ملزمة في كل الاحوال. وقد حرص الطرف المسؤول عن صياغة هذه الوثيقة، التأكيد على عدم إلزامية توصيات اللجنة حين وصفها (أي.. التوصيات) بـ "المحترمة" وليس بالملزمة.

ان اختيار الالفاظ والعبارات بعناية فائقة هي مهمة شاقة بلاشك. كان على المجتمعين طالما هم يسعون لتحقيق "مصلحة العراق وشعبه" كما جاء في الوثيقة، ان يكونوا اكثر وضوحا واكثر التزاما لتحقيق هذا الهدف السامي والنبيل. والا فستكون مثل هذه العبارات بمثابة حقل الغام كلما ارادوا التقدم خطوة في "السعي" كلما انفجر لغم ربما اعاد الازمة الى بداياتها او زادها تعقيدا.

لا نشك للحظة واحدة ان مثل هذه الصياغات المشفرة كانت مقصودة من اجل افراغ اللقاء -على بؤسه- من اهدافه المعلنة في الاقل، ولم تكن مجرد صياغات انشائية او ناتجة من عدم معرفة بدلالاتها وبما ستؤدي اليه من نزاعات.

ان غياب قيادات سياسية مؤثرة عن اللقاء بل ورفضها له منذ البداية ترك المجال لاحتكار طرف واحد مهمة صياغة وتدبيج هذه الوثيقة دون اعتراض الاطراف الاخرى التي انحصر دورها بالمشاركة الباهتة.

الوثيقة بدت وكأنها املاءات من طرف سياسي واحد على بقية الاطراف غير المؤثرة في الشارع العراقي والتي حضرت اللقاء، ربما بصفة مراقب.

التَخفّي بين العبارات

العوائق في طريق تحقيق السلم الاجتماعي في العراق كثيرة ومتعددة ومن الصعوبة ازالتها من اجل إرساء قواعد للسلام بين مكونات الشعب، بمجرد لقاء ضم قوى سياسية هي قبل غيرها المسؤولة عن وضع تلك العوائق. وهي قبل غيرها المتسببة في حالة الاحتقان التي سادت وتسود المجتمع امس واليوم. وهي المسؤولة قبل ذلك عن زعزعة قواعد كانت مستقرة من ازمان بعيدة وتحكم العلاقات في المجتمع.

تحقيق السلم الاجتماعي او استعادته يستوجب على جميع القوى السياسية ان يرتقوا الى مستوى المسؤولية الوطنية والى مستوى الشعب الذي للآن يحافظ على القدر الكبير من الوعي بمخاطر الاحتراب بين مكوناته ونتائج ذلك على الجميع.

وكما ان التطرف والارهاب بكافة اشكاله والوانه يسهمان في تفتيت وحدة المجتمع فان سياسات الاقصاء والتهميش اللذان تمارسهما السلطة التنفيذية بتأييد ودعم من بعض القوى السياسية المتنفذة لبعض مكونات المجتمع على اساس طائفي تتسبب في زيادة حدة التطرف من جهة ومن جهة اخرى منح المبررات والذرائع للارهاب وتوفير حواضن له وتسهيل مهمته في كسب الانصار والمؤيدين وتجنيدهم.

ان "تحقيق التوازن في اجهزة الدولة ودرجاتها العليا المدنية والعسكرية" كما جاء في الفقرة (12) من خطوات عمل وثيقة "السلم الاجتماعي"، يقتضي العديد من الخطوات الجادة التي يجب على الحكومة اتخاذها من اجل التمهيد لاعادة التوازن، اهمها اقناع المهمشين والمستبعدين بجديتها وطمأنتهم عن طريق تحقيق مطالبهم المشروعة والملحة كذلك وقف الاستهداف عن طريق الاعتقالات العشوائية ومحاصرة المدن والوقوف بحزم في وجه المنظمات التي تمارس التهجير والاغتيالات.

السلم الاجتماعي سيتحقق حين تكون الحكومة بمؤسساتها وبخاصة الامنية والعسكرية منها تنظر الى كافة المواطنين على اختلاف دياناتهم وطوائفهم وقومياتهم كمواطنين لا فرق بين هذا وذاك الا على اساس الكفاءة وبما يقدمه من خدمة للبلاد وللمجتمع.

وإنْ كنا نعتقد ان ما ورد بالدستور بشأن التوازن كان هو الاساس والبذرة التي انبتت هذه المشاعر الطائفية وضخمتها واوجدت المبررات الكافية لظهور تجلياتها بهذه الصورة الكريهة، الا انها وبرغم ما قيل عن سبب الاصرار على كتابتها وهو طمأنة المكونات، قد تم الالتفاف عليها بل وتجاوزها.

ومع ان هذه التوصية التي جاءت في الوثيقة اكدت على ذلك الا انها اشترطت ان يتم اعادة التوازن وتطبيق الدستور "بشكل سلس وموضوعي لا يتسبب في ارباك الاداء الحكومي" وهو ما سيشكل عائقا جديدا امام التنفيذ وبخاصة في ظل غياب الثقة وكذلك الشك في صدق النوايا.

معنى ذلك ان ازمة اخرى قد تضاف الى سلسلة الازمات الطويلة، المتلاحقة تعقد المشهد السياسي وتؤزم الوضع المجتمعي المتداعي.

فهذا الشرط يفتح الباب واسعا امام تفسيره بالصورة التي تتفق والمصالح الانانية لبعض الجهات او الشخصيات. من المهم عدم "ارباك الاداء الحكومي" لكن السؤال هو: ما هي الآليات والمعايير التي ستعتمدها اللجنة فيما يربك وما لا يربك الاداء الحكومي..!؟

كل شيء يكمن في التفاصيل

ليس الشيطان وحده من يكمن في التفاصيل فنيات السياسيين هي الاخرى تكمن فيها. بل وحتى الصياغات الفضفاضة، واستخدام التورية في كتابة الاتفاقيات التي تعقد بين الاطراف.

في التفاصيل يمكن للمراقب، المتابع، ان يجد الكثير مما حاول الساسة اخفاءه او لم يُصرّحوا به او سكتوا عنه.

المحلل السياسي هو من يقرأ ما وراء السطور ليقع على حقيقة ما في الصدور، وإلاَ فهو يصف الحالة فقط ولا يحللها. ومن اجل ان يُكوّن فكرة كاملة عن ما يُراد من الخطاب، فيسلط الضوء على مسارات مستقبل ما سيكون عليه الامر.

نستذكر كيف حذفت (أل) التعريف من كلمة (الاراضي) في النسخة الانجليزية لقرار مجلس الامن ذي الرقم 242 لسنة 1967 "انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير"، ما ادى الى اندلاع حرب العام 1973 واصرار اسرائيل على عدم الانسحاب الى اليوم من القدس، الضفة الغربية لنهر الاردن.

كما نستذكر التفسير الذي انفردت به المحكمة الاتحادية العراقية لنص المادة 76 من الدستور عن الكتلة الاكبر وكيف أدى الى صراعات ونزاعات وازمات ما بين القوى السياسية لم تتوقف الى اليوم. الذي ما كان سيتم لولا الصياغة الملتبسة لمنطوق المادة المذكورة.

صياغة فقرات وثيقتي "الشرف" و"السلم الاجتماعي" اللتان صدرتا عن لقاء بعض القوى السياسية مؤخرا جاءتا على هذا النحو. ونسجت على هذا المنوال. ولهذا من المتوقع تدشين مرحلة جديدة من الخلافات حول تفسيرها قد تستحيل الى ازمات وصراعات.

بعد ايام قلائل من اللقاء واصدار الوثيقتين كانت لرئيس الحكومة صولة خطابية اعتبرتها قائمة "متحدون" خرقا لما اتفق عليه. حصل هذا ولمّا يجف بعد الحبر الذي كُتبتا فيه. فما الذي نتوقعه بعد اسابيع وشهور الا ان يكون الأسوأ...!؟

بعد ذلك التصريح بيوم واحد اتهم رئيس الحكومة نوري المالكي قوى سياسية ارتباطها بالارهاب او خاضعة له وحمّلها مسؤولية التدهور الامني الحاصل فيما وثيقة الشرف نصت فقرتها الثالثة على "الابتعاد عن استخدام وسائل الاعلام لطرح الخلافات والمشاكل واللجوء الى اللقاءات الوطنية او الثنائية والبحث عن الحلول عبر الوسائل الدستورية".

تكرارنا نقل خروقات المالكي لما اتفق عليه في اللقاء ليس معناه ان القوى الاخرى لن تخرقها مستقبلا لكنه سبقها جميعها في هذا، ربما طمعا في تسجيل سابقة كما عودنا دائما.

اظنني قدمت عرضا سريعا لنيات ودوافع واهداف من اجتمعوا ووقعوا الوثيقتين المذكورتين، استنادا الى قراءة سريعة هي الاخرى لصياغة نقاطهما الـ (26)، حيث التلاعب بالكلمات وانتقائها بما يسمح للطرف الاقوى فيها التملص لاحقا من استحقاقاتها او الالتفاف عليها.

من السهل على القارئ الحصيف وعلى المتخصص في الخطاب الاسلاموي، كهنة واحزابا، اكتشاف ما وراء الخطاب.

في الحروب، من يفرض شروطه هو المنتصر. في المفاوضات من يفرض ارادته هو من يمتلك الورقة الاقوى. اما في اللقاءات (الودية) فان من يُملي على الاخرين انتقاء العبارات الأكثر بريقا والأفقر مضمونا، هو الطرف الذي يجمع السلطة و"فصل الخطاب".