ثورتان.. بلا زعيم!

عندما تنحى الرئيس الأسبق مبارك تصور كثيرون أن ثورة يناير 2011 انتصرت وسيخرج من رحمها زعيم يمثل القوى الوطنية المصرية ليضع أسس الدولة الحديثة بعد القضاء على الدكتاتورية العسكرية التي حكمت مصر 60 عاما.

لكن هذه القوى المدنية انهزمت مبكرا امام الاخوان الذين حددوا هدفهم من اول يوم للثورة وركبوها وفازوا بكل استفتاء او انتخاب، بالاضافة للرئاسة.

وعندما سقط مرسي في الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013 لم تستطع القوى المدنية ايضا أن تفرز زعامات شعبية لا تنتمي للمؤسسة العسكرية. وبدا وكأن لا أحد يستطيع منافسة الفريق أول السيسي وزير الدفاع في شعبيته الكاسحة وان كان مازال رافضا للترشح للرئاسة.

الثورتان نجم عنهما فراغ سياسي. فغالبية الرموز التى ترشحت فى انتخابات الرئاسة فى يونيو 2012 أفل بريقها وخبا نجمها، لأنها اما حرقت نفسها بالاقتراب اكثر من اللازم من الأضواء أو احترقت نتيجة لأفعالها أو تصريحاتها. وقد اكتشف الرأي العام المصري مبكرا أن السياسيين المصريين يسعون للحصول على مكاسب من الثورتين وليس تحقيق فوائد لمصر أو للمصريين.

ورغم أن مصر النخبة مشغولة بخريطة الطريق السياسية ولجنة الخمسين التى تعد الدستور وتهيئ الأجواء للاستفتاء عليه ولانتخابات البرلمان بعد ذلك، الا أن عامة المصريين مشغولون بشيء آخر وهو البحث عن بديل للسيسي اذا أصر على عدم ترشيح نفسه.

وفي الوقت ذاته يدرك المصريون أن الأخوان ماضون في طريق الإرهاب والعصيان المدني واستهداف قوات الجيش والشرطة وتعطيل مظاهر الحياة وذلك كله سعيا لفشل خريطة الطريق أو اطالة المدة التي تستغرقها، ليصبح التدخل الخارجي مبررا واعادة شرعية الأخوان الزائفة التي ابطلها الشعب واقعا من خلال "العكننة" على المصريين!

لقد كنت اتصور أن الفترة الراهنة ستفرز كفاءات سياسية تبتكر موادا للدستور أو "تناظر" الأخوان وتكشفهم خصوصا وأن لجنة الخمسين المكلفة باعداد الدستور تضم سياسيين مخضرمين وأصحاب رأي. الا أنه اتضح أن هؤلاء يهمهم الوجود الدائم فى الفضائيات والمناقشات بالصوت المرتفع والتشنج الأمر الذي يسحب من الرصيد السياسي للنخب الليبرالية، التي من المفروض أن تكون هذه الفترة هي عصرها الذهبي.

للأسف فان واقع الحال يشير الى أن القوى المدنية المصرية حققت فشلا ذريعا في نيل ثقة الناس ليس فقط خلال الفترة الانتقالية التي حكم فيها المجلس العسكري او بعدها او اثناء رئاسة مرسي، وانما بعد زوال حكم الأخوان أيضا.

لقد فشل معظم الذين لمعوا في ثورة يناير (كالبرادعي على سبيل المثال) بالإضافة الى نجوم ثورة 30 يونيو في استقطاب اهتمام الشارع، فصاروا يبحثون عن ثورة ثالثة مضحين في ذلك باستقرار مصر ومستقبلها السياسي. لقد ظلت القوى المدنية تشكو حصار نظام مبارك لها وتحذر من اعتماد الأسلاميين على الرشاوى الانتخابية من سكر وزيت واموال واستخدام الدين لتغييب عقول الناس. وعندما غاب مبارك وسقط حكمه، وتم عزل مرسي ورحل الأخوان، ظلت القوى المدنية ايضا مشتتة ومتصارعة ومنقسمة لا يجمعها الا محاولة "ارث" نظام مبارك أو مرسي.. من ثم لا يجد المصريون بدا من الاتجاه بتفكيرهم الى شخصية عسكرية بعد أن فقدوا الأمل في زعيم مدني.