دولة الدين... أم دين الدولة؟!

السياسة في الدين تنتج التطرف

عظمة الإسلام إنه دين توحيد بالمفهوم العقائدي والاجتماعي حين استطاع جمع القبائل ودمجها بالمدنية، وعندما اتسعت الحضارة الإسلامية استطاع توحيد الأمم بمذهبها وأديانها وتراثها وتحقيق هذا الانتصار الإنساني، لم يكن أمراً سهلاً في عمق حضارات كبرى لها تقاليدها وميراثها الكبير.

إسلام اليوم خرج عن قواعد السلام والتعايش والاندماج بين البشر بكل اختلافاتهم ليس بسبب نصوصه ومفاهيمه، وإنما لأنه تحول إلى عمل سياسي يدار برغبات من يمثلون طروحات تخدم غايات مذاهبهم وطوائفهم، وهنا صرنا بدلاً أن نشهد سبعين طائفة تضاعف العدد عدة مرات ليغلب الهوى السياسي على المبادئ السامية فصار لكل مجتهد مقبول أو مرفوض أتباع ومنادون وأنصار، ومقاتلون يكفرون من يريدون ويدخلون آخرين ملتهم.

العمل السياسي مفتوح لأنه نظام للدولة وتشريعاتها وأسلوبها، وعلاقاتها الدولية، والداخلية والخلاف حولها دخل في فكر الفلاسفة والمصلحين والمستبدين والدول التي تحتل غيرها، وبالتالي لا توجد مثل عليا في سلوك ينبني على المصلحة بصرف النظر عن أخلاقيات أي عمل، ولذلك حين أراد أصحاب الطموح سواء من أصحاب الأديان السماوية أو الاتباع الآخرين كانت المصلحة تغلب على الأهداف السامية، وبالتالي فإن إدخال الدين ضمن هذا السياق ومن خلال تفسيرات تلتقي مع مطامح أصحابها ممن لا يفرقون بين من اتخذه وسيلة لغاية وهنا الإشكال مع الإسلام السياسي.

فالتطرف ومن أسسوا له الايدلوجيات التي أخذت مساراً مضاداً للعقيدة الصحيحة وضعوا أنفسهم (الفرقة الناجية) وتعمم هذا المفهوم على بقية الفرق الجديدة، والمشكل ليس في الأفكار من يتفق عليها أو يناقضاها، وإنما دخل صلب عملها بناء دولتهم، وقد بدأت مع أفغانستان، وتمددت على دول إسلامية أخرى حتى أن العراق وسوريا مؤهلتان لإنشاء هذه الدويلات وقد تلحق بهما ليبيا وغيرها، لكن الغايات قد تختلف ومثلما تكونت الفرق القديمة، وانشقت على بعضها لتؤلف أخرى صار المشهد الحاضر يؤهل هذه الفئات وفقاً لطبيعة الصراع وعدم تلاقي الأهداف إلى احداث نفس التغييرات في هذه البنية وغيرها..

السؤال المحيّر.. من يحرك هذه العناصر، وعلى أي أهداف تلتقي، وهل هناك أصبع خارجية داعمة استغلت الفراغ السياسي الموحد لأي دولة لتجعل الدين بمذاهبه فصلاً جديداً في تمزيق هذا العالم الكبير؟ مقابل لماذا تعايشت أقليات إسلامية ليست بسيطة في تعدادها مثل المسلمين بالهند وغيرها، إلى الاندماج مع فئات لا تلتقي معهم دينياً ولا روحياً وإنما فقط بالشراكة الوطنية والقوانين التي تحرم التفرقة الدينية أو العرقية، ولماذا لا يتصالح أصحاب الملة الواحدة مع بعضهم بلا انشقاقات وحروب وتوظيف التاريخ بعلله وتناقضاته لصالح فئة على أخرى؟

نعيش امتحاناً صعباً، فارتباط الإسلام بالتطرف لم يعد معنى يقتصر على فئات الخارجين عنه، وإنما صارت تهمة لازمة لكل مسلم، ومع ذلك ليس هناك من موقف ينقذ هذه العقيدة وشعوبها من هذه المآزق التي طبعتنا بالشعوب البدائية والمتخلفة مع أننا من بنى إحدى الحضارات العظمى، وهو الإشكال الذي أغلق الأبواب على المخارج أمام أزمة ستوصلنا إلى حروب الألف عام.

يوسف الكويليت

نشر في الرياض السعودية