قضية شعب...وليست مسألة كيمياوي!

لا يمكن الا الترحيب بالاتفاق الاميركي ـ الروسي في شأن الاسلحة الكيمياوية السورية، على الرغم من سذاجة الادارة الاميركية ومن أن موسكو سارعت الى تحوير الاتفاق وتوظيفه لخدمة مآربها المتمثلة في تجنيب النظام السوري ضربة عسكرية.

مثل هذا الاتفاق يحرم النظام السوري من مادة سامة يتذرّع بأنها تساعد في تحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، لكنها لم تستخدم في الواقع الاّ ضد الشعب السوري. لم يكن سرّاً في يوم من الايّام أن كلّ اسلحة النظام السوري صالحة للاستخدام في وجه السوريين واللبنانيين وحتى العراقيين، لكنّها لم تكن يوماً موجهة الى اسرائيل التي تحتل هضبة الجولان منذ العام 1967.

في كلّ الاحوال، يعرف كلّ من لديه ذرة عقل وقليل من المنطق أنّه كان في استطاعة سوريا استعادة الجولان عن طريق المفاوضات وأنه لم تكن هناك سوى تفاصيل لا قيمة لها يمكن أن تحول دون التوصل الى اتفاق مع اسرائيل. لكنّ النظام فيها فضّل دائما المتاجرة بالجولان على استعادتها. وجد أن ذلك مناسباً له وأنّ المتاجرة بالجولان ستساعد في تحقيق انتصارات على لبنان واللبنانيين عن طريق ابقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة الى ما لا نهاية.

مثل هذا القرار يعكس رغبة في الانتقام من لبنان واللبنانيين من جهة واسترضاء ايران من جهة أخرى، وذلك من منطلق أن لديها رغبة في أن تكون على تماس مع اسرائيل. وهذا ما حصل بالفعل على حساب لبنان واللبنانيين وأهل الجنوب الذين حرموا من حياة كريمة كانت ولا تزال في متناول اليد.

مرة أخرى، من المفيد والمستحب التوصّل الى اتفاق أميركي ـ روسي في شأن الاسلحة الكيمياوية التي في حوزة النظام السوري. مثل هذا الاتفاق يمكن أن يكون بداية لوفاق دولي قد يسمح يوما في ايجاد تسوية تنهي الازمة السورية...وتعيد البلد الى أهله. وهذا يعني في طبيعة الحال تمكين السوريين من اقامة دولة تحمي حقوقهم وتحفظ كراماتهم. الاكيد أنّ قيام مثل هذه الدولة آخر هموم روسيا وربّما أيضاً الادارة الاميركية المنهمكة في كيفية تفادي أي حرب جديدة يمكن أن تنهي الولاية الثانية لباراك أوباما الذي يتطلع الى ترك بصماته في الداخل الاميركي، خصوصاً في حقل التأمين الصحّي، بصفة كونه أوّل رئيس أسود للولايات المتحدة.

هل هناك من يسعى بالفعل الى اخراج سوريا من أزمتها...أم أن القوى المهتمة بالتسوية أو باستمرار الازمة، في مقدّمها أميركا وروسيا وايران، تريد احتواء الوضع السوري لا أكثر؟

أميركا لا تريد مشكلة جديدة، خصوصاً انها لم تشف بعد من حرب العراق كما أنّها لا تزال عالقة في افغانستان حيث لديها حاجة الى الأراضي الروسية لتزويد القوات الاميركية الموجودة في هذ البلد بكل ما تحتاجه. ولا شكّ أن هذه ورقة ضغط روسية قوية لها تأثيرها على طبيعة العلاقات بين البلدين.

أما روسيا نفسها، فما يهمّها يتمثل في المحافظة على مواقعها في سوريا من منطلق أنها آخر دولة مهة في الشرق الاوسط تمتلك نفوذا فيها. الأهمّ من ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين ليس مهتماً بما اذا كانت سوريا ستبقى موحّدة أم لا ما دام موقفه المؤيد لنظام بشّار الاسد والداعم له يقوّيه داخلياً ويكسبه شعبية هو في أشد الحاجة اليها. هناك حاجة لدى المواطن الروسي لظهور بلده في مظهر من استعاد بعض امجاد الاتحاد السوفياتي. وهذا ما يستغلّه بوتين، المستفيد أيضاً من مصالح معيّنة تربطه باركان النظام، الى أبعد حدود...بل الى حدود ذات طابع مادي صرف لا علاقة لها بالحدّ الادنى من التعاطف الانساني مع الشعوب الثائرة على الذلّ والظلم والاضطهاد!

تبقى ايران التي تعتبر أن سوريا مستعمرة من مستعمراتها وهي جزء لا يتجزّأ من مشروعها الاقليمي الممتد من طهران الى مارون الراس في جنوب لبنان والذي يستخدم المذهبية من أجل تحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد. الى أن تستعيد ايران وضعها كدولة طبيعية في المنطقة تهتمّ أوّلا بشؤون مواطنيها ورفاههم بعيدا عن الاوهام، لا أمل في ثنيها عن القاء كلّ ثقلها الى جانب النظام الفئوي في سوريا، خصوصاً أن هذا النظام قبل منذ سنوات عدة أن يكون مجرّد تابع لها لا أكثر.

لكلّ من الاميركي والروسي والايراني حساباته. وهذا ما ظهر جلياً في مرحلة ما بعد اتفاق جنيف بين الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف. فلو كانت روسيا جدّية في ايجاد حلّ في سوريا ولسوريا، لما كانت ترددت في دعم صدور قرار ملزم عن مجلس الامن يضع النظام السوري أمام مسؤولياته ويجبره على تفكيك ترسانته الكيمياوية. كلّ ما ارادته روسيا هو تفادي ضربة أميركية تستهدف القوات التابعة للنظام السوري. وقد حقّقت الغرض المطلوب، أقلّه مؤقتاً.

تختلف الحسابات الاميركية والروسية والايرانية. لكنّ ذلك لا يحول دون وجود ما يجمع بين القوى الثلاث. ما يجمع بينها يتمثّل فيما فاتها. فاتها عدم أخذها في الاعتبار العامل الاهمّ في المعادلة السورية. هذا العامل هو الشعب السوري الذي يرفض العودة الى الماضي، أي الى أن يكون تحت نير نظام لا همّ له سوى استعباده واذلاله. لو لم يكن الامر كذلك، لما كانت الثورة السورية مستمرّة منذ ما يزيد على ثلاثين شهراً. يرفض كل سوري أن تتكرر حماة على المستوى السوري كلّه.

حصلت مجزرة حماة في العام 1982. كانت شهادة الوزير السوري السابق أسعد مصطفى في الحلقات المتميّزة التي ظهر مع الزميل طاهر بركة على "العربية" أفضل تعبير عن مشاعر كلّ مواطن سوري تجاه النظام.

ليس هناك سوري يقبل في 2013 أن تتكرر تجربة حماة على نطاق البلد كله بعد مرور واحد وثلاثين عاماً عليها، وذلك حتى لو كلّف ذلك سقوط مليون شهيد. من يستمع الى أسعد مصطفى، وهو من منطقة حماة وكان محافظاً لها في العام 1985، يدرك لماذا لا يمكن للشعب السوري الاّ أن ينتصر، فكّك النظام الكيمياوي أم لم يفكّكه...القضية قضية شعب وليست مسألة كيمياوي!