ما الذي ستتمخض عنه تحركات كواليس الحكم بالجزائر؟

تلقت الطبقة السياسية والإعلاميون، وبشكل عام الشعب الجزائري، باندهاش قرار التعديل الحكومي وحيثياته وسوابقه، ليس من حيث الشكل، فالمسألة تدخل في إطار الصلاحيات الرئاسية الدستورية، ولكن من حيث الفحوى، فبعد أن كاد يدفن العام والخاص السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ويدفن معه نظامه وأفلاكه ومعينيه، فوجئ الجميع بصحة متجددة، وحركية هجومية غير اعتيادية، لسنا ندري حقيقة، هل هي أواخر عهد ليس إلا، وهزات المغادر؟ أم هي البعث من جديد، والعودة بقوة؟ أم هي سيناريو متفق عليه مسبقاً، وتقاسم مدروس للأدوار، لكل دوره، بين دائرة الرئيس ودائرة الآخرين؟ الآخرون، هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يصفهم بالتدقيق، هل هم المخابرات؟ أم طبقة سياسية متسعة وشاملة للأحزاب جميعها والتيارات كلها؟ أم هو تحالف بينهما؟

الكل يعلم أن شرخاً ما بدأ المتابع يحس به بعد تعديل الدستور، للسماح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالترشح لعهدة ثالثة، إلا أن الأمر كان دوماً محتوى، داخل تقاليد سرية البيت الجزائري، ثم بلغ ذروة ما بعد التلميح بعهدة رابعة أو ترشيح قريب من الرئيس للمنصب الأعلى.

هل صحيح أن كل هذا التوتر البادي، لا يعدو أن يكون خيال إعلاميين وأحلام معارضين كما صرح بذلك السيد بوقطاية القيادي بجبهة التحرير الوطني، حزب الرئيس؟ هل الصراع المزعوم بين الرئيس والمخابرات "ليس موجوداً إلا في رؤوس بعض الصحفيين والمعارضة" كما صرح بذلك السيد عمار سعيداني الأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني.

أسئلة لن ندعي الإجابة عنها بالتفصيل أو الإيراد إليها بالتدقيق، ولكننا سنحوم ونحاول فك طلاسم ما يحدث في الجزائر من تطورات.

لقد قلت من قبل، أن اليوم الذي سيختار فيه أمين عام لجبهة التحرير الوطني، وأمين عام للتجمع الوطني الديمقراطي، حزبي السلطة الجزائرية الرئيسيين، بعد فراغ غير معقول ومقصود ليس بالقصير، يبدو أن الأحداث وافقت بعض التكهنات، ويبدو أن الأمر بدأ يتبلور في أروقة الحكم الجزائري أو عند خاصة الخاصة، أما عند الخاصة والعامة، فلا زال بعد أيام وأسابيع لتضح الصورة وينقشع الضباب السياسي، إلا أنه يتسرب في هذا الوحل حقائق يتداولها المحللون السياسيون، والمراقبون المدققون، حول تفاهمات الساعة الأخيرة أهمها:

1. أكباش الفداء: الكل يعلم أن فتح ملفات فساد مفترضة عبر الصحافة الوطنية تمس مقربين من الرئيس لم يكن بالأمر البسيط، كان مؤكداً أن أطرافاً نافذة كانت وراء التسريبات، ولقد ساهمت أطراف على "إصلاح ذات البين" داخل أوساط النظام الجزائري، ويبدو أن الأمر قد قارب الحلحلة بين الأطراف المختلفة، وأنه وقع تفاهم على تقديم كبشي فداء من هذا الطرف وذاك، فالوزير شكيب خليل من جهة، والعقيد فوزي، مسؤول بالمخابرات مهتم بالملف الإعلامي من جهة أخرى، فالأول توبع قضائياً، ولكن الأمر سيكون بغير جدية، والثاني أحيل للتقاعد، أو تقاعد.

2. حكومة تكنوقراط حيادية: تكون مهماتها تسيير شؤون الجزائر، لذلك وقع التغيير في الوزارات السيادية بالأخص، فوزارة الداخلية كانت من نصيب وزير العدل السابق السيد محمد شرفي ورئيس المجلس الدستوري، ووزارة العدل صارت من نصيب "القاضي" السابق السيد الطيب لوح، ووزير الخارجية من نصيب الدبلوماسي المحترف السيد رمضان العمامرة، الخافية الوحيدة في هذه الحكومة الفارغة من الأوزان السياسية الثقيلة هي مدتها، هل هي ستكون حتى أبريل/نيسان 2014، موعد انتهاء عهدة الرئيس الثالثة، أم أنه تم الاتفاق على التمديد سنة أو سنتين للرئيس على ألا يترشح الرئيس لعهدة رابعة، ويتم الاستفتاء على دستور توافقي جديد، الخافية الأخرى، والتي تكون الأطراف قد أجلت حسمها، هي هل سيكون المرشح الرئاسي المجمع عليه قريب من أوساط الرئيس بوتفليقة، أم أنه لن يكون من تلك الأوساط؟ أم أن الأمر سيكون مفتوحاً على مصراعيه، ولن يكون مرشح للنظام لأول مرة في تاريخ الجزائر الحرة الديمقراطية.

3. إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية: إلغاء مديريات وتحويل صلاحيات، لا يعدو أن يكون عمليات روتينية، ولكن أن تحول مسؤوليات وتغير تبعيات تنظيمية من جهة إلى أخرى كما هي الحال بوضع مديرية أمن الجيش والشرطة القضائية العسكرية تحت إمرة قائد الأركان، ونائب وزير الدفاع، بدل قائد المخابرات الجنرال مدين، تقابلها تفاهمات قد تمت حول تجريد الرئيس أيضا من صلاحيات عدة غير معلنة، إحداث منصب نائب وزير الدفاع يعد بذاته تحولاً مهماً في ذهنية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

4. غياب مقلق للمعارضة السياسية: يبدو أن نظام بوتفليقة استطاع في عهداته الرئاسية أن يُخضع المعارضة السياسية، فطرف لحق به، والآخر لُغم من الداخل إلى طرائق قدد، صارت بذلك ضعيفة جداً لكي تستطيع أن تحلم بدور ما في صناعة مستقبل الجزائر، أمام معارضة سياسية شعبية أخرى هي في الغالب غير مهيكلة ولكنها قد تشكل رقماً صعباً في المعادلة السياسية الجزائرية المستقبلية، لو تمادى بعض الفاعلين الجزائريين في عماهم السياسي وطرشهم المستديم.

الأيام المقبلة حبلى بالأحداث بالجزائر، وهذا حتى يتمخض الأمر عن انتخاب قيادة جديدة للجزائر، وربما جمهورية جديدة، لن تكون الشرعية الثورية هي البوصلة، نصف قرن كان جديراً بطي مرحلة وفتح أخرى، لعلها تكون إن شاء الله تحت عنوان العدالة الاجتماعية والتطور الاقتصادي والسؤدد بين الأمم و"من الشعب وللشعب" كما هو مكتوب في جميع المؤسسات الجزائرية.