سوريا على طريق الخلاص الزائف

لم يكن التلويح بالضربة الأميركية جزءا من سيناريو الحرب في سوريا. غير أن ما جرى في القصير وبعدها في حمص جعل المعارضة السورية تشعر بأن ميزان القوى على الأرض لم يعد لصالحها. فهزيمتها هناك، وكانت ممثلة بجبهة النصرة بشكل أساس أمام تدخل حزب الله اللبناني، قد دفعتها إلى التفكير بمخطط مختلف.

لقد عاد اركان المعارضة يومها إلى توجيه اللوم إلى الغرب بسبب تراخيه أمام عنف النظام وعدم إيفائه بوعوده المتكررة بتسليح المعارضة، غير أن ذلك اللوم لم يجد آذانا صاغية إلا بطريقة مسرحية سمحت لقوات المعارضة في التمدد في مناطق جديدة، لم يكن الاستيلاء عليها ذا تأثير سلبي على النظام، من جهة ما يمثله من تهديد مباشر على استمراره.

كان النظام السوري إلى ما قبل جريمة كيماوي الغوطة مطمئنا إلى أن المعادلات الخارجية ستبقى مستقرة على ما يسفر عنه الصراع الداخلي من نتائج.

وحين وافق النظام على استقبال بعثة الأمم المتحدة الخاصة بالتحقق من استعمال الاسلحة الكيماوية فانه قام بذلك تعبيرا عن اطمئنانه بان أحدا لا يفكر في توجيه الاتهام إليه بشكل محدد. فهناك شكوك في أن قوى من المعارضة المسلحة لن تمتنع عن استعمال تلك الأسلحة لو وقعت في أيدي مقاتليها.

غير أن ما حدث في الغوطة كان بمثابة صدمة للجميع.

منطقيا فان النظام الحاكم في دمشق بكل ما عرف عنه من دهاء من خلال اعتماده سياسة ابتكار المتاهات السياسية لن يجد مصلحة في احراج الرئيس الأميركي أوباما الذي اعتبر اللجوء إلى السلاح الكيماوي خطا أحمر.

لقد بدا واضحا أن جريمة الغوطة التي راح ضحيتها مئات الناس الأبرياء، ممن لم تكن لهم أية علاقة مباشرة بالنزاع المسلح كان الهدف منها محاولة إخراج الصراع من الدائرة المغلقة التي كان النظام مطمئنا أنها تتسع لصالحه وتضيق الخناق على خصومه.

كانت المشاهد القادمة من الغوطة ملهمة للكثير من مشاعر الهلع والفزع والرعب الإنساني. مما شكل كما قلت صدمة، حتى لأولئك الذي كانوا يرتابون بجدوى التدخل الغربي المسلح معتبرين أن ذلك التدخل قد يزيد من تعقيد الوضع في سوريا، وهو ما قد يؤدي بالنتيجة إلى تدمير كيان الدولة السورية.

ما جرى سياسيا أن جهة ما في الغرب لم تكن واثقة بشكل مطلق من أن النظام هو الذي ارتكب تلك الجريمة وإن كانت مسؤوليته لا تزال قائمة كونه الجهة التي يتحتم عليها السيطرة على مخزون سوريا من السلاح الكيماوي.

كان أوباما وهو في أقصى حالات غضبه مما جرى يشعر أن هناك من يحاول أن يجره إلى القيام بحملة عسكرية جديدة لم يعد الشعب الأميركي راغبا في تأييدها.

لذلك لجأ إلى طلب موافقة الكونغرس، وهو يعرف جيدا أن طلبه سيواجه الكثير من الصعوبات.

في الجانب الآخر كانت روسيا تنتظر، مطمئنة إلى أن حليفها في دمشق سيوافق على ما تقترحه عليه من مبادرات للخروج به سالما في اللحظة الأخيرة.

وهذا ما حدث فعلا.

في النهاية كان القرار الخاص بمصير النظام في دمشق روسيا.

لقد تخلت الإدارة الأميركية عن خيار التدخل العسكري وبات اللجوء إلى المعالجات السياسية بالنسبة لها بديلا مناسبا.

وهكذا تكون جريمة الكيماوي قد أفضت إلى توافق أميركي ــ روسي جديد في شأن الأزمة السورية، وهو ما لم يكن في حسبان الجهة التي قامت بارتكاب تلك الجريمة، سواء كانت تلك الجهة النظام أم واحدة من فصائل المعارضة المسلحة.

ولكن مَن يصدق أن جريمة بهذا الحجم ومن هذا النوع ستقود سوريا إلى خلاصها فهو واهم. ذلك لان الجريمة، أية جريمة، لا يمكن أن تؤسس لوضع طبيعي إلا إذا تم الكشف عن ملابساتها ومعاقبة الطرف الذي ارتكبها.

اما الذهاب إلى جنيف على جثث الضحايا الأبرياء فهو تعبير عن الاستهانة بأرواح السوريين ومستقبل بلادهم في عالم صار يرعى مصالحه على حساب الحقيقة.