الدولة المدنية ... ظروف مولدها في الإسلام

الدولة المدنية ضرورة لحماية الدين من تقلبات السلطة

كان المصطفى مبلغاً رسالة الإسلام بالقرآن والأحاديث القدسية، أما أحاديثه وسنته وسيرته، فكانت تفصيلاً وتنزيلاً للرسالة على الواقع، وبذلك كان جامعاً للدين والدولة. أما الخلافة الراشدة التي قامت بعده فقد كانت اتباعاً لسيرته، ولذلك فإن فصل الدين عن الدولة لم يكن وارداً على فكر الخلفاء الراشدين، حملة الدين وحفظة القرآن والأحاديث والسنة والسيرة.

ولكون الدولة وشؤون حكمها لم يفصلا تفصيلاً في الإسلام كما فصل الوضوء ونواقضه بكل دقة مثلاً، لذا ففصل الدين عن الدولة وهيكلتها إدارياً الذي تمثل في الدولة الأموية والدولة العباسية، لم يأت به الدين كما لم يأت به منظرون بأطروحات في علوم السياسة والاقتصاد أو الاجتماع، بل كان نابعاً من عبر الأحداث ومحنها التي حدثت في عهد الخلافة الراشدة، أو كما يوصف اليوم بأنه نابع من Empirical evidence بلغة العلم Science، وما علموا من دواوين حكم البلاد الأخرى التي فتحت، وبقدر المحن يجتبي الله أنبياءه وعباده الصالحين.

أما بداية المحن فقد كانت حرب الردة على عهد الخليفة الأول الصديق أبو بكر، ومن ثم مقتل الخليفة الثاني الفاروق 26 ذي الحجة 23هـ، الذي على عهده تمت هزيمة دولتي الفرس والروم، ومقتله لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الفتوحات وبخاصة دولة الفرس، ومن ثم الفتنة الكبرى على عهد خلافة ذي النورين عثمان بن عفان الخليفة الثالث، بعد 6 سنين من خلافته، إثر توسعات أكبر لدولة الإسلام وانضواء أمم أكثر كثيراً تحت لوائها، فكانت الفتنة سبب مقتل ذي النورين جالساً يقرأ القرآن فجراً..!! وامتدت الفتنة لعهد الخليفة الرابع الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه، فكانت موقعة الجمل عام 36هـ، وموقعة صفين التي تلتها سنة 37هـ، ومن بعد ذلك مقتله يوم الجمعة 17 رمضان سنة 40هـ.

وقد تبدت الحاجة للفصل بين الدين والدولة بشكل أكثر إلحاحاً بنهاية الخلافة الراشدة، وقد كانت مبايعة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية، فصلاً حاسماً فيها إلا أنها لم تنته بذلك، فقد ثارت مرة أخرى بعد أخذ الخليفة معاوية البيعة لابنه يزيد توريثاً للخلافة، والتي لم يقرها الحسين بن علي كرم الله وجهه وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم، والتي آلت إلى مقتل الحسين بن علي كرم الله وجهه، ومن بعد ذلك مقتل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، وزوال خلافته التي تلت الخلافة الراشدة على عهد الحجاج.

ومما عظم تلك المحن أن العرب لم يكن لهم سابق تاريخ وخبرة بأنظمة الحكم ودواوينها لحكم بلاد مترامية الأطراف، فيها العديد من الملل والنحل ومن مختلف الأجناس والأعراق والمعارف والعلوم.

وقد كان الفصل بين سلطة السلطان والدين مخرجاً استقر عليه يقين أصحاب المذاهب الأئمة الأربعة، منعاً لتكرار المحن على الدولة الإسلامية السابق ذكرها، فعمل جميع من سار على دربهم من الأئمة العلماء والفقهاء الدارسين المتمذهبين بمذاهبهم، ولذا فالعامة من الناس كانوا يذهبون للمفتين فتيا في أمور دينهم ويلجؤون للحاكم المسترشد بالإسلام أنى تمكن تدبيراً لشؤون دنياهم (كما نرى اليوم في دولنا التي تنص دساتيرها على أن الإسلام المصدر الرئيس لدساتيرها).

وعلى الرغم من الدماء الطاهرة التي سالت لكلا الفريقين، لم يكفر أحدهما الآخر كما ورد عن الإمام علي وعن معاوية رضي الله عنهما.

أما وصف السلطان فقد بقي خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين، تيمناً بما كان على عهد الخلافة الراشدة ومحاذرة مما ورد في الآية الكريمة على لسان بلقيس: ((إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)) سورة النمل (الآية 34)، ولليقين بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فكانت لاحقاً أيضاً الملكيات الدستورية والجمهوريات الدستورية في أوروبا بضد الدكتاتوريات، سواء كانت ملكية أم جمهورية..

وهكذا نرى اليوم في المملكة العربية السعودية الملك خادماً للحرمين الشريفين، والملكية في الأردن والبحرين دستورية، والملك في المغرب أميراً للمؤمنين، ويعاد تأطير سلطات هذه الحكومات حسب معطيات تاريخ وواقع المجتمعات السياسية والاجتماعية، توازناً يتماشى مع مستجدات الواقع السياسي اليوم، وخاصة بعد انهيارات نظم الجمهوريات العسكرية الاشتراكية، وانفتاح الباب واسعاً أمام تعدد الأصوات والمنابر عبر اليوتيوب والفيسبوك والتويتر، مستدعية المزيد من الفصل بين الدين والدولة، والمزيد من الفصل بين سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، بالقدر الذي يحتاج إليه كل مجتمع ويستطيع التعامل معه حسب درجة تطور تجربته ومعاصرته العصر الذي نعيش، أما السلطة الرابعة الإعلامية، فإنها لم تعد كما كانت طوع يد توجهات الحكومات.

الملاحظ اليوم أن الجوهر الجامع المشترك بين المتأسلمين الإخونجية وبين أتباع خوميني:

1) إنكار إقرار أئمة السنة الأربعة؛ الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وولاة أمر المسلمين، من فصل الدين عن سلطان الدولة؛ ولذا فالإخونجية يدعون للخلافة الراشدة الثانية، وادعاء الخومينيين إقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدوة ونصرة لآل البيت.

2) تكفير المخالفين؛ وبالرغم من تقيتهم فإن تكفيرهم مخالفيهم يتفلت من ألسنتهم في أحايين عدة، ولكنه أكثر جلاء ووضوحاً بممارساتهم وفتنهم التي نرى من تقسيم الأوطان أينما نبت ريش لهم، كما السودان والعراق وغزة، والفتن في سوريا واليمن ومصر وتونس!

صقر بن زايد بن صقر آل نهيان

كاتب إماراتي