تيار أنصار حزب الله ... مطاوعة إيران

تيار مهامه محلية ودولية بأمرة الولي الفقيه

كان تيار "أنصار حزب الله" يؤيد مبدأ "تصدير الثورة" ويقدّم "المصالح الإسلاميّة" على "المصالح الوطنيّة"، ويعتقدّ بأنَّ إمكانات الدولة يجب أن توظَّفَ في اتجاه تقديم الدعم الماليّ لـحركات التحرر والمستضعفين وخلايا حزب الله المنتشرة في العالم. وفي المرحلة الأولى للثورة كان هذا التيار يؤكد أن الثورة الإسلامية ستجتاح العالم، ورفع شعار "حرباً حرباً حتى النصر... ثورة ثورة حتى القدس".

يقول أحد كوادر "أنصار حزب الله": "إنَّ الفرقَ الأساسيّ بيننا وبين الاتجاهِ الوطنيّ هو أنه يدعو إلى توظيف الإمكانات في سبيل المصالح الوطنيّة، بينما نحن نريد توجيهَها في سبيل المصالح الإسلاميّة... نحن نفكّر في إطار حدود العالَم الإسلاميّ... فنحن عندما نحضر في لبنان والبوسنة، نقول إنَّ مصالحنا هناك... وهذه المصالح لا يمكن أن تكون وطنيّة، بل هي إسلاميّة...".

وعلى الرغم من اعتقاد هذا التيار بمبدأ تصدير الثورة، إلاّ أنّه "يؤمِن بضرورة الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في إيران في حال تعرضت لهجوم شديد، مستشهداً بموقف الإمام الخميني في العام 1988 عندما قبل بوقف إطلاق النار مع العراق، وذلك لحفظ النظام الإسلامي في إيران، بعدما وجد أن حفظ النظام في إيران أهم من مواصلة الحرب وإسقاط نظام صدام حسين.

النظرة إلى العلاقة مع أمريكا

يرفض هذا التيار بشدّة إقامة علاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، حتّى أنه يدعو إلى تشريع قوانين لفرض أشدّ العقوبات على الذين يطرحونَ موضوع إقامة علاقات مع أميركا. وقد هدّد بأنه "سيتصرّف بحسب ما يمليه عليه الواجب"، في حال لم تتم معاقبة هؤلاء قانونياً.

وفي السياسة الخارجية، فلحزب الله مواقف ضد الاستعمار وضد الإمبريالية. وكما في سياسته الداخلية حيث يعتبر نفسه محامياً عن الثورة والدستور، فإنه في سياسته الخارجية أيضاً كان يدعو إلى أساليب متشددة وثورية، ولذلك كان ينتقد المدافعين عن الواقعية والفكر المنطقي، ويعتبرهم خونه للقيم الإنسانية والدينية.

هذا التيار يطالب بالحرب على إسرائيل التي يطلق عليها تسمية "الكيان الصهيوني"، وعلى دول "الرجعية العربية"، و النفوذ السياسي الغربي بقيادة الولايات المتحدة. ولكنه أعاد النظر في سياسته الخارجية بسبب الضغوط التي مورست عليه خلال أحداث ما بعد الثورة ليكون أكثر واقعية.

الرؤية الاقتصاديّة

على الصعيد الاقتصادي، فإن "أنصار حزب الله"، وعلى الرغم من تأييده للاقتصاد المركب، أي ضرورة وجود قطاع عام وقطاع خاص، إلا انه يؤكد على دور القطاع العام الحكومي، أي أنه يطالب بأن تكون أغلب المجالات الاقتصادية تحت مراقبة الحكومة، التي يجب أن تكون بدورها المستثمر الأول في المجال السياسي. وكان يخالف توظيف رؤوس الأموال في الخارج، ويعتبره نوعاً من الارتباط الاقتصادي والسياسي والثقافي.

الخصخصة: يرفض هذا التيار سياسة التنمية الاقتصاديّة غير القائمة على العدالة الاجتماعيّة. كما يعارض خصخصة الوحدات الاقتصاديّة، ويدعو إلى "تدخّل الدولة" في الاقتصاد من أجل "حماية الطبقات الفقيرة" في المجتمع، وذلك من خلال إعادة النظر في الضرائب وتعديل أسعار المشتقّات النفطيّة، ورفض مسألة إلغاء الدّعم الحكوميّ للسِّلع. كما لا يؤمن هذا التيار بالتنافس الاقتصاديّ، ويعارض بشدّة سياسةَ التعديل الاقتصاديّ.

الاكتفاء الذاتي: انطلاقاً من نظرة تيار "أنصار حزب الله" السلبيّة ضد الأجانب، وخصوصاً الغربيّين منهم، وتشكيكه بمؤامراتهم الاستعمارية والعدوانية، فإن الحزب يعتقد أنَّ أنجع سبل الاستعداد لمواجهة الأعداء يكمن في الاكتفاء الذاتيّ وتبنّي سياسة التقشّف الاقتصاديّ". كما يقترح تبنّي أنموذج الاستهلاك الصحيح، وضبط الإنفاق، والحدّ من الاستيراد بواسطة زيادة الضرائب الجمركيّة، وتشجيع الإنتاج الوطنيّ". لذا فهو لا يرى ضرورةً للاستعانة بالقروض والاعتمادات الأجنبيّة التي يعتبرها تخلّياً عن القِيَمِ.

التنمية الاقتصاديّة والعدالة الاجتماعية: يعطي هذا التيار الأولويّة للعدالة الاجتماعيّة، وذلك "لأن التنمية الاقتصاديّة من دون العدالة الاجتماعيّة والبناء والإعمار تعتبر ناقصة ومُدَانة" ومرفوضة. كما انتقد الحزب السياسة الاقتصاديّة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، وقال حينها: "كان ينبغي بعد انتهاء الحرب أن نتّجه نحو الاهتمام بالعدالة الاجتماعيّة لا نحو الاهتمام بالرَّفاه". وقد انتقد تيار "أنصار حزب الله" في بيانه الأول الرأي القائل إنَّ العدالة الاجتماعيّة ستتحقّق من تلقاء نفسها من خلال التنمية الاقتصاديّة، واعتبر أنَّ "هذا الرأي يتنافى مع مبادئ الفكر الإسلاميّ".

وبالنظر إلى اهتمام هذا التيار بالطبقات الفقيرة، فإنّه يشدّد على إعطاء الأولويّة لحلّ المشكلات الاقتصاديّة الملموسة في قبال الرؤية التي تعطي الأولويّة لتغيير البُنى الاقتصاديّة. ومن هنا، فإنَّ من جملة العلاجات التي يطرحها في هذا المجال هي: "السيطرة على التضخّم، وضبط وتعديل مستوى المداخيل بالضرائب، ودعم الإنتاج الوطنيّ".

الرؤى الثقافيّة

يدعو تيار "أنصار حزب الله" إلى فرض رقابة صارمة عل النتاجات الثقافيّة قبل النشر، ويطالب وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّة بتنفيذ هذه الرقابة انطلاقاً من المسؤولية الدينية الشرعية لحراسة "الحدود الأيديولوجيّة للإسلام والثورة" بحيث لا يتاح أي مجال لنفاذ الفكر الآخر المعادي أو المخالف للتعاليم الإسلامية والأيديولوجيا الثورية للنظام سواء في سيناريوهات الأفلام والمسلسلات أو في الكتب والصحف والمجلات.

يقول أحد كوادر الحزب عن ذلك: "يجب ألا تكونَ الصحافة... نقديّة صرفة، وأن لا تثيرَ الشكوكَ حول القوات المسلّحة، وألا تنشرَ ما ينافي الإسلامَ والعفّةَ العامّة، وأن تتجنّبَ الكتابات التي لا تصبُّ في مصالح الشعب والبلدان الإسلاميّة ومكانة الجمهوريّة الإسلاميّة، وأن تمتنع عن نشر المواضيع المضلِّلة والمواضيع التي تُشِيعُ الفساد الخُلُقِيَّ والمانشيتات المثبّطة والمثيرة. إنَّ هذه الأمور كلّها مرفوضة".

كذلك، يعارض هذا الحزب زيادة الإنتاج الثقافيّ وتنوعه. إذ تَعتبر دوريّة "يا لثارات الحسين" أنَّ "من المَعالِم البارزة للغزو الثقافيّ انتشار مئات الصحف في السنوات الأخيرة".

الغزو الثقافيّ

يخشى تيار "أنصار حزب الله" انطلاقاً من عقيدته الأيديولوجية وإيمانه بـ "نظريّة المؤامرة" الغزو الثقافي الغربي، لذا فهو يعارض كل أنواع التبادل الثقافيّ. وقد انتقدت مجلة الحزب "يا لثارات الحسين" أولئك الذين يعتقدون بضرورة التبادل الثقافيّ مع الغرب من أجل تحقيق التنمية الصناعيّة، ووصفت ذلك باعتباره يعني إزالة "حدودنا العقيديّة من طرف واحد". وعليه، يعارض هذا التيار ترجمة مقالات وموضوعات من الصحف الغربيّة، باعتبارها "من المعالِم البارزة للغزو الثقافيّ التي تصبّ في خانة ترويج إعلام الأعداء الدوليّين المُعادي للدين والثقافية".

في المقابل، يهتم هذا التيار بالحفاظ على المظاهر الإسلامية، كنوع اللباس، ونوع الحجاب بالنسبة إلى النساء، والفصل بين الرجال النساء في الأوساط العامّة. ويحذّر "أنصار حزب الله" الذين يتزيّنونَ بالأزياء الغربيّة المبتَذَلة ويضعونَ ربطات العنق، والنساء اللواتي يرفضن لباس "التشادور" أو الحجاب الإسلامي. ويوصي هذا الفصيلُ الإذاعةَ والتلفزيون بـ "الامتناع عن بثّ البرامج الرياضيّة التي لا يرتدي فيها اللاعبونَ لباساً كاملاً وإسلاميّاً، وخصوصاً مباراة المصارعة التي يحرَّم على النساء النظر إليها"، إضافة إلى منع بثّ الموسيقى الهجينة في سيارات الأجرة، والمحاسبة على ذلك.

ويدعو التيار إلى أن تكون النشاطات الثقافيّة "تحت إشراف وليّ أمر المسلمينَ قدرَ الإمكان" وأن يوكل أمر إدارة المؤسسات الثقافيّة إلى العلماء من أجل الحؤول دونَ بروز الانحرافات. كما يعارض هذا التيار النشاطات النسويّة الاجتماعيّة، ويدعو أنصاره إلى الابتعاد عن المادّيّات، والميل إلى الزُّهدِ.

وكان "أنصار حزب الله" معارضاً لإجراء حوار سياسي بين طبقات المجتمع المختلفة في الشؤون الداخلية، وبخاصة مع المثقفين والتيارات الليبرالية، وقد وصل التعصب في هذا المجال إلى درجة أنه لم يضع "حزب الله" في مواجهة القوى خارج النظام فحسب؛ بل استُخدم أداة لمواجهة بعض الأجنحة داخل النظام.

قمع المعارضة

يستند النظام الإسلامي والمحافظون إلى "أنصار حزب الله" في عمليات التعبئة ضد الإصلاحيين والمعارضين وقمعهم. ويملك تيار "أنصار حزب الله" شبكة واسعة من المؤيدين في جميع المدن الإيرانية، والكثير من أعضاء الحزب هم عناصر وكوادر في "الحرس الثوري الإسلامي"، و"التعبئة الإسلامية" (الباسيج) الذين لعبوا دوراً كبيراً في قمع التظاهرات والتجمعات الإصلاحية والطلابية والمعارضة وخصوصاً الاحتجاجات على نتائج الانتخابات الرئاسية في يونيو (حزيران) 2009، والتي أسفرت عن إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، والتي اعتبرتها المعارضة الإصلاحية تزويراً.

وفي العام 2009، على سبيل المثال، نظم طلاب جامعة الفنون في طهران، وجامعة فردوسي في مشهد، مراسم لتأبين المرجع الديني آية الله حسين منتظري، وحصلت مواجهات بين "أنصار حزب الله" إيران المؤيدين للرئيس أحمدي نجاد وبين الطلاب، واعتقل عدد من قادة الطلاب.

وفي مثال آخر، على السلوك المتشدد لهذه الجماعة، والذي طاول مراجع المعارضين لنظرية ولاية الفقيه والداعمين لحركة المعارضة الإصلاحية، فقد أكد الصحافي الإصلاحي والطالب في حوزة قم الدينية محمد جواد اكبرين في مقابلة في 15 يونيو (حزيران) 2010، على أن هناك لجنة مؤلفة من مدير مكتب خامنئي الشيخ محمد كلبايكاني، ووزير الاستخبارات السابق والمدعي العام الحالي الشيخ محسن إيجئي، وأحد قادة "أنصار حزب الله" عضو البرلمان الشيخ روح الله حسينيان، وهي من تخطط وتشرف على تنفيذ الهجمات على منازل المراجع الدينيين المعارضين وعلى مكاتبهم.

وعندما أعلن أحد قادة الحركة الإصلاحية الشيخ مهدي كروبي اتهاماته بحدوث حالات تعذيب واغتصاب للمعتقلين الإصلاحيين المعارضين في السجون الإيرانية الذين سجنوا على خلفية احتجاجهم على نتائج الانتخابات الرئاسية في يونيو 2009، دعا "أنصار حزب الله" إلى التهديد بالهجوم على مقر صحيفته "اعتماد ملي".

والجدير بالذكر أنه في يناير (كانون الثاني) 2010 تولى المسؤول السابق في الحرس الثوري وفي الاستخبارات الإيرانية، رضا نقدي، مسؤولية قيادة قوات "الباسيج"، وهو أحد قادة "أنصار حزب الله"، ولعب دوراً في تنظيم وتمويل هذا الحزب، الذي دبّر الهجوم الذي تم تنفيذه على الحي الجامعي للطلاب في جامعة طهران عام 1999، والذي يقوده العميد حسين الله كرم.

ويشار إلى أن حسين الله کرم، رئيس "أنصار حزب الله"، وهو ضابط سابق في "الحرس الثوري" برتبة عميد، قد وصف في 24 فبراير(شباط) 2011 رئيس "مجلس خبراء القيادة" هاشمي رفسنجاني قبل أسابيع من تخلّيه عن المنصب، بأنه "الرأس الاستراتيجي للفتنة"، في إشارة إلى حركة المعارضة "الخضراء" التي يقودها مير حسين موسوي ومهدي كروبي.