سيّد دمشق بسيّد بغداد، ودمشق ببغداد

الأحزاب التبعية متورطة بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين إعداما طائفيا. في عيد الأضحى والهتافات واضحة:

" والعن عدوهم

وعجل فرجهم

وانصر ولدهم

مقتدى مقتدى مقتدى".

نأى الأكراد بأنفسهم إلى الأبد عن هذه القضية، كما نأت روما بنفسها من صلب المسيح. رفض الرئيس الكردي الداهية السيد جلال الطالباني حتى التوقيع على الإعدام. الذي وقع هو "مختار" العصر القائد الصفوي الشجاع نوري المالكي.

السنة يريدون اليوم رأس العلوي بشار الأسد مقابل رأس صدام حسين. يعدمونه إعداما "سنيا" أمويا في عيد الأضحى أيضا.

الطائر الدموي العملاق، المدمر الصائح، العطشان المحلق فوق جثة صدام حسين سوف يحط قريبا على رأس بشار الأسد. وكل هذه المقالات عن الخوف من الخراب، والدمار لا جدوى منها.

بعض الكتاب الصفويين يظنون بأننا أطفال، ويخوفوننا من خراب كبير إذا سقط بشار الأسد. الخراب السني قد حل وانتهى الأمر. لقد قُتِلَ شجعاننا شر قتلة، واغتصبت نساؤنا، وهُدمَت مساجدنا، وأحرقت لحية أشرافنا. لاشيء عندنا نخاف عليه.

نحن الآن في انتظار الخراب الشيعي.

لا أكتب لطمأنة العجائز، هذا ليس من واجبي ككاتب. حين تتجول في بغداد اليوم تجد لافتة كبيرة في كل شارع عن شهيد عراقي جديد من شهداء العقيدة/العقيلة، بدأت الجثث تمطر من دمشق على بغداد. ربيع عراقي.

هذا يعني شيئا واحدا بالنسبة لي، أن محاربين من الشام سيدخلون بغداد غدا ويَقتلون ويُقتلون فيها. وربما يُشيّعون تشييعا رسميا في الجامع الأموي.

الشعب الذي يوافق علنا على ذهاب شجعانه للذبح، والحرب في بلاد الشام، عليه استقبال الذباحين من الشام غدا بلا شكوى ولا ثرثرة. لا توجد أصوات احتجاج عراقية اليوم ضد هذه الجريمة. جريمة إرسال ذباحين عراقيين إلى الشعب السوري الصامد البطل. ويتم تشييع الجثث على أنها ذاهبة إلى زينب والجنان الخلد.

لا أكتب احتجاجا بل أكتب توثيقا، لأن هذه حكاية في بدايتها، يتبعها ما يتبعها.

هؤلاء ناس لا يريدون كهرباء، ولا عمرانا، ولا تعليما، ولا قضاء على الفساد. بالمناسبة لا يوجد فساد. المليارات العراقية تذهب إلى المركز الجهادي في طهران، تسدد به ولاية الفقيه فواتير الحروب، وحزب الله، والسلاح، والعجز الإيراني الإقتصادي. سبعمائة مليار دولار عراقي لم يسرقها أفراد بل ذهبت إلى طهران وتفرق دمها بين القبائل العقائدية المجاهدة.

الجماعة لا يريدون الحياة والسلام كما ترون، يريدون شيئا واحدا هو الحرب. فلماذا نضيع وقتنا بالنباح واللغو في كتابات صبيان يرفضون النظر في الحقيقة. أنا، في النهاية، كاتب ولست راهبا.

من جهة أخرى، الشيوعيون العراقيون ينتقدون الحكومة ورئيس الوزراء نوري المالكي كل يوم بمؤسسات أذرعهم الإعلامية. ليس لأنهم ضد الحكومة بل لأن تلك الأذرع تقبض من الحكومة للقيام بدور كهذا.

تصل السخرية والسريالية العراقية حدودها القصوى، إذا علمنا أن صاحبها الشيوعي هو نفسه صاحب امتياز إعداد صور الخامنائي والخميني الكبيرة بمطابع داره "اليسارية"، وتوزيعها على المدن العراقية.

الرسالة المزيفة هي أننا بلد ديمقراطي الآن، وعندنا ساحات تحرير مليئة بالمثقفين المعارضين والنساء السافرات، وعندنا حياة عراقية سياسية. مهمة الشيوعيين اليوم تلطيف الوجه الكالح للحكم الصفوي العراقي، وتشويش الحقيقة الرهيبة للحياة في العراق.

كلما تأزم هذا النظام المعتم، يأتون بالمثقفين والشيوعيين في ساحة التحرير مع الكاميرات، وعلى أكتافهم سيدة من طراز غربي مثل هناء أدور، تهتف بالجماهير ضد نوري المالكي.

كيف نتحدث عن اغتيالات، واغتصابات في السجون، وتصفيات طائفية وهناك سيدة شيوعية تقف أمام رئيس الوزراء نوري المالكي علنا، كما تقف أي ناشطة أميركية أمام رامسفيلد وتصرخ في وجهه؟

كيف يمكن الحديث عن مجزرة جماعية في الحويجة ضد معتصمين مدنيين، وهناك مظاهرات تواجهها الحكومة بخراطيم المياه والعصي فقط.

هذه هي الرسالة المشوشة التي يبعثها شيةعيونا للعالم لإنقاذ النظام العراقي الفاسد. تحويل الثقافة إلى لغو وشهادة زور، وإنقاذ للحكومة والنظام المذهبي.

هل يفهم السنة العراقيون ماذا يحدث في بغداد؟ ما معنى جامع براثا؟ ما أصل هذا الجامع؟ وما المقصود؟ ما معنى "التوابين" في فيلق بدر؟ ما معنى جيش المهدي؟ مَن هو المهدي؟ ما معنى الزيارة المليونية العظيمة إلى الكاظم بالذات؟

إن بغداد تغرق بالرموز المذهبية. وبغض النظر عن الشيعة العلمانيين الرافضين لذلك. الهدف من هذا كله هو بغداد شيعية. مَن شاء فليتشيع ومَن شاء فليرحل، ومَن شاء فليعش بهدوء، مكتوبا عليه الذلّة والمسكنة حتى يموت، ويُدفَن في الليل هذا هو المقصود.

إذا لم تشغلوا الصفويين بحقوق زيارة الحسين في كربلاء، فإنهم سيبحثون عن رأسه في دمشق. وهكذا لن تنتهي الحكاية بالبقيع في السعودية ولا اليمن ولا الأردن. الطائفية لا يوقفها ولا علاج لها إلا الطائفية.

إن الإعدام الطائفي للرئيس العراقي في عيد الأضحى قفز بالقضية من البعد السياسي الطبيعي، والشخصي المقبول إلى البعد العقائدي. وكأنهم يقتلون به كل كريم في السنة منذ طلعت شمس على أرض. المضحك أنه في الوقت الذي أسس الشيعة مذهبهم على المطالبة بثأر الحسين، صار السنة يطالبونهم بثأر صدام حسين. ويريدون ثأرهم ولو بأكل أولادهم. هذه هي الحقيقة.

لا يوجد في العراق كله اليوم رأس يصلح ثأرا لـ صدام حسين، الرأس الكبير موجود في سوريا، سيّد دمشق بـ سيّد بغداد، ودمشق ببغداد.

"إنه الثأر

تبهت شعلته في الضلوع

إذا ما توالت عليها الفصول

ثم تبقي يد العار مرسومةً

بأصابعها الخمس

فوق الجباه الذليلة"

أمل دنقل