جحيم سبتمبر الذي لم يغلق أبوابه

هل تم تلفيق الحادي عشر من سبتمبر لكي يكون العالم أسوأ؟

وهنا يجري الحديث عن واقعة ملفقة، لا بمعنى أن تلك الواقعة لم تقع، بل لأنها وقعت أكثر مما يجب. لقد تجاوزت حدودها الجغرافية والنفسية لتكون واقعة ثقافية، يمكن قياس المسافة بين زمنين من خلالها. ما قبلها وما بعدها. لقد انتقم الأربعة الاف قتيل في برجي نيويورك المنهارين فقتلوا أربعة ملايين في بلدان شتى. الموتى ينتقمون من الموتى وبلدان كثيرة أضاعت استقرارها وسيادتها وحرية وكرامة شعوبها.

الرقم النهائي لا يمكن التحكم به.

أعداد القتلى في تزايد. ولما تنتهي بعد غزوة نيويورك.

جرت الكثير من المياه تحت الجسور. سقط زعماء كنا نظن أنهم مخلدون. محيت صور لتحل محلها صور أخرى تتشبه بها. امتلأت مدن اللجوء وافرغت ثم امتلأت ثانية. معجزات سلبية كثيرة وقعت. تصحرت حقول وجفت أنهر وهدمت مدن وتحطمت مجتمعات وسلمت مصائر للفجيعة وصعد نجم سماسرة السلاح والمخدرات وتدهورت قيم سامية ولم يعد الميزان قائما على أساس العدل في ظل سيطرة الجماعات المسلحة على شوارع، قيل أنها شوارع العدو.

لقد تم اختصار التاريخ البشري في لحظة واحدة هي اللحظة التي سقط فيها البرجان. فكان العقاب جماعيا. هل كان في إمكان بن لادن وهو رجل بدائي أن يضع مخططا هندسيا دقيقا لإسقاط البرجين بضربتين متقنتين؟

كانت هناك دفاتر عرضتها وسائل الاعلام تضم معادلات قيل إنها كُتبت لصنع قنبلة نووية. بالحبر الصيني كُتبت تلك السطور لتضع البشرية أمام اطلالة علمية جديدة في عصر ما بعد الكمبيوتر.

شيء أشبه بالتداوي بالأعشاب. هل سمعتم بالعلاج بالقرآن؟

كان في إمكان صيدلية بن لادن أن تقهر العالم الغربي، بكل تطوره العلمي.

لقد سمحت واقعة نيويورك بوقوع الكثير من الخلخلة في عقول الناس العاديين.

صار في الإمكان تمرير كذبة من نوع أن عراق صدام حسين كان في إمكانه أن يدمر العالم خلال زمن قياسي لا يتجاوز الساعة. وحين اتضح أن كل المعلومات التي استندت إليها تلك القناعة كانت مزيفة لم يعد التراجع عن الخطأ مسموحا به واستمرت الحرب على الإرهاب.

هناك اليوم أربعة ملايين يتيم في العراق. مثلهم في أفغانستان. وما من شيء يشير إلى أن شهوة الانتقام قد وصلت إلى نهايتها. لا يزال العالم يعيش في ذروة رغبته في الانتقام العبثي.

واقعيا فقد انشطرت غزوة نيويورك إلى غزوات. مَن يغزو مَن؟

فإذا ما كانت الولايات المتحدة قد انتقلت إلى الموقع الذي تعتبر فيه كل ما تفعله هو الحق المطلق، فإن جهات كثيرة في العالم صارت هي الأخرى لا ترى في ما تفعله إلا حقا مطلقا. وبذلك يكون العالم قد استسلم للتشدد والتطرف ولم يعد في إمكان طرف أن يقنع طرفا آخر بضرورة الانصات إليه وتفهم موقفه.

صارت القوة هي اللغة الوحيدة المتاحة عالميا. وهو ما مهد لانتشار العنف الأهلي في مجتمعات سبق لها وأن كانت ضحية مزدوجة حين كتب على بلدانها أن تكون ملاعب مفتوحة لما يسمى بالحرب على الإرهاب. وهي حرب ليست لها نهاية ما دامت الولايات المتحدة قد قررت أن تحارب أشباحا، تتجسد في كل مرة تحت عناوين وهمية وفي اماكن مختلفة من العالم. وهو ما ينسجم مع روح وطبيعة الجريمة الأولى التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر والتي لم يجر حتى اليوم تقديم لائحة بمرتكبيها بشكل قانوني.

ما جرى في نيويورك كان جريمة غير أن ما جرى بعدها قد أسس لوضع غير قانوني، قدمت الولايات المتحدة من خلاله نموذجا سيئا لما يمكن أن يكون عليه سلوك دولة، يفترض أنها راعية الديمقراطية في العالم.

لقد أحرق الصياد الأميركي غابات شاسعة بحثا عن أرنب، يعرف جيدا تحت أية قبعة يقيم.