العصي العربية... ان اجتمعت بعد الخراب، للخراب!

يعمد الفن الحديث الى تفعيل مقولات واحداث تاريخية، وقراءتها قراءة جديدة، علمية، تنوع عليها وتثريها، بما ينسجم والرؤى الحديثة للحياة، التي تتجدد باستمرار، بفعل معطياتها المتسارعة، التي بدورها تنتج قيما، اكثر رقيا وانفع للانسان بشكل عام، لاسيما ان العالم اليوم، بات متجاوزا للكثير من القيم القارة، التي افرزتها الحقب القديمة، وغدت غير قابلة للحياة. ونحن العرب، انتجنا الكثير من المقولات والحكم، شأننا شأن الامم الاخرى. ومن تلك المقولات التي غدت حكما، درسناها قبل عقود في المدارس الابتدائية، حكاية الاب العربي البدوي الذي واتته المنية، فآثر ان يترك لاولاده، حكمة، ينتفعون بها في حياتهم القادمة، بعد رحيله، وهي من اشهر الحكايات العربية، واكثرها اهمالا ايضا! والمتمثلة بطلب الاب من اولاده، حزمة عصي، ثم اعطاها لكل واحد منهم على ان يكسروها، فلم يستطيعوا، ثم فرق العصي، وطلب منهم كسرها، فتم ذلك، ليقول لهم، ان في اجتماعهم قوة، وفي فرقتهم ضعف، يسهل على الاعداء كسرهم، او النيل منهم!

انا شخصيا، بعد ان تقدم بي العمر والتجربة، صرت اعتقد ان الحكاية غير واقعية، بل هي من المرويات الشفاهية التي ينطق بها الحكماء، وتتناقلها عنهم الناس بصفتها حكايات واقعية. لكن على العموم، ان الحكاية استقرت في الضمير الجمعي، على انها من كنوز التراث العربي، وتستحق ان تدون في الكتب المدرسية ويقرأها التلاميذ منذ الصغر!

هكذا تقادم الزمن على الحكاية العربية تلك، وكبر معها كثيرون، منهم بالتأكيد من بات زعيما عربيا، او وزيرا، او حتى ملكا، قرأ الكثير من امثال هذه الحكم والمأثورات التراثية، التي ظلت قيد المنهج المدرسي ولم يفعّلها العقل العربي، ويجعلها متساوقة مع الحياة الحديثة على مستوى الرؤية والاستشراف، اي باختصار، ظلت قابعة في مكمنها البدوي الذي لم يعد صالحا لحياة اليوم. بمعنى آخر ان مفهوم القوة، لم يعد فقط مجرد اجماع الاخوة على ان يبقوا متحدين كالعصي التي اعيت الاخوة، اولاد البدوي، ولم يستطيعوا كسرها عندما باتت حزمة، وانما يجب ان يرافق ذلك فهم اعمق لمعنى القوة، وفلسفتها في عالم اخذ ينتج باستمرار اسباب القوة الحديثة التي تقهر اي اخوة، ما لم يعرفوا اولا مكانهم في العالم الجديد، الذي ظهرت فيه المؤسسة بمفهومها الحديث، والتي وصلت اليوم الى مستوى ما يعرف بالشركات العابرة للقارات وما تنتجه من سلع حديثة بما فيها الصواريخ والطائرات والقنابل النووية، وباتت المصالح المشتركة، حتى لغير الاخوة، تجمع الناس بعد ان تجعلهم في موقع قوة قاهرة، وتوحدهم حفاظا على ما حققوه من منافع ومصالح، تستحق ان يسحق لاجلها الضعفاء ليتنعم الاقوياء بمباهج الحياة التي صنعوها بعلمهم وقوتهم التي هي افراز طبيعي له، او قل هذا هو واقع العالم اليوم، الذي لم تتجاوز قراءة بعضنا له، حكاية البدوي وعصيه المسكينة!

لم يقرأ الحكام العرب، ولعقود طويلة، ظلوا فيها في الحكم، قبل ان تجرف بعضهم عواصف الخريف العربي، حكاية الاخوة والعصي، قراءة جديدة ليوحدوا اقتصادهم في الاقل، ليمكنوا العقول في بلدانهم من الانطلاق نحو الافق الجديد للحياة المعاصرة، وهكذا ظلوا حبيسي الصراع على الزعامة، حتى وهنوا واوهنوا شعوبهم التي ثارت عليهم، ليجدوا انفسهم وشعوبهم معا، في قبضة اصحاب العصي الحديدية التي اطبقت على عالم اليوم، وحين ادرك بعضهم الحقيقة المرة، رأى ان الطريق الاسلم، هو الذهاب مع الاقوياء متناسيا حكاية البدوي وعصيه التي تكسرت احادا، في مشهد يحكي مأساة امة باتت هدفا للاقوياء، في زمن لم يعد فيه للقيم النبيلة والنيات الطيبة من مكان، ويبقى السؤال، الى اين نحن سائرون بعد الذي حصل والذي سيحصل؟