واشنطن تضع في حسابها احتمال تمرّد متشددين في جيش تونس

منهجية فاشلة في مقاومة الإرهاب

واشنطن ـ كشفت مصادر مطلعة أن واشنطن تدرس باهتمام بالغ محتوى إحدى الدراسات التي صدرت حديثا وتحذّر أصحاب القرار العسكري الأميركي من احتمال "تمرد" الجيش التونسي، مؤتمرا بأوامر من قيادات متشددة داخله يفترض أنها نجحت في اختراقه خلال الفترة الماضية.

ودعت "مؤسسة واشنطن للدراسات" مؤخرا، في تقرير حديث، البيت الأبيض إلى مشاركة فرنسا والجزائر في مساع جماعية لمنع "تمرد" الجيش التونسي، بسبب وجود شكوك لاختراقه من قبل تنظيم أنصار الشريعة المتطرف.

ويقول مراقبون إنه بالرغم مما تقدم من مؤشرات تؤكد بقاء الجيش التونسي على الحياد في الحياة السياسية التونسية بفضل نخبة من قياداته المستنيرة والمؤمنة بأن دور الجيش يتوقف عند حماية حدود البلد، ليظل بذلك وفيا للصورة التي رسمها لنفسه منذ رحيل نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، فإن لا شيء يمكن أن يمنع العديد من جنوده من ذوي الرتب الصغيرة والقادمين في الغالب من مناطق محرومة ولم يكن لهم حظ كبير في التعليم، من الوقوع فريسة قناعات تنظيم "أنصار الشريعة" الإرهابي المتشدد.

ويضيف هؤلاء باحتراز، أن التنظيم الإرهابي لم يكن ليضع ضمن أكبر أهدافه مخططا للانقلاب على السلطة القائمة لو لم يكن قد اخترق جانب مهما من الجيش ووفقا لقاعدة معروفة في أدبيات التنظيمات الانقلابية تقول إن أي عملية انقلابية لا يمكن ان تنجح ما دام لا يدعمها جيش مدافع عنها.

ونصح معهد دراسات واشنطن في تقريره الذي حمل عنوان "تونس تصنف حركة أنصار الشريعة كجماعة إرهابية"، بتحرك أميركي على وجه السرعة لوضع مخطط نجدة وطوارئ لتأمين سلامة الدبلوماسيين الأميركيين وجميع المصالح الأميركية بالتراب التونسي في حالة وقوع تدهور أمني خطير.

ويقول محللون إن الحماس الذي ابدته الحكومة الأميركية لدعم النظام الإسلامي عند بداية وصوله إلى الحكم قد تلاشى تدريجيا بعد أن كشفت هجمات نفذها أنصار الشريعة على السفارة الأميركية بتونس في محاولة لاقتحامها في 14 سبتمبر/ايلول 2012، للأميركيين أنه لا يمكن الرهان على من يوصفون بالإسلاميين المعتدلين لكبح جماح القوى المتطرفة في صفوفهم أو داخل المجتمع.

وذكرت الدراسة أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى إعادة التفكير بشأن الطريقة التي ستحدث بها توازنا لهيكلها الأمني في المغرب العربي، في الوقت الذي يتجه المسار بشكل إجمالي في المنطقة نحو الانحدار.

وتشير الأحداث الأمنية الأخيرة وبدء المواجهة الأمنية المسلحة فعليا مع التنظيم الإرهابي إلى أن تونس تتجه تدريجيا إلى تدهور أمني حقيقي، بينما تعصف بها مشاكل سياسية حادة قسمت المجتمع التونسي الى فئتين متباغضتين، بين معارضة تدعو إلى ضرورة رحيل الحكومة وحل المجلس التأسيسي والدعوة إلى حكومة إنقاذ وطني لوقف نزيف الفشل والانهيار الذي تسببت فيه حكومة النهضة، وترويكا حكومة يقودها الحزب الإسلامي إلى التشدد ورفض التسليم بالهزيمة.

ودعت مؤسسة واشنطن في دراستها، بعد تصنيف الحكومة التونسية تنظيم أنصار الشريعة تنظيما إرهابيا، الحكومة الأميركية إلى مشاركة فرنسا والجزائر في مجهودات لمنع تمرد الجيش التونسي واختراقه من طرف هذا تنظيم أنصار الشريعة المتشدد.

والاثنين اعتقلت الشرطة التونسية محمد العوادي رئيس الجناح العسكري في جماعة "أنصار الشريعة بتونس" التي صنفتها الحكومة تنظيما إرهابيا ومحمد العكاري الملقب بـ"أوْس" والذي "ينتمي للجهاز العسكري بالتنظيم ذاته"، وقتلت عادل السعيدي الرجل الرابع في التنظيم خلال "عملية خاصة" نفذتها وحدات من جهاز مكافحة الارهاب غرب العاصمة تونس وعنصرا رابعا "جار التعرّف على هويّته".

وقالت وزارة الداخلية التونسية ان العوادي والعكاري "من العناصر الإرهابية الخطيرة" في تونس وانهما "متورطان" في إدخال أسلحة من ليبيا الى تونس وفي اغتيال المعارضين العلمانيين شكري بلعيد في 6 شباط/فبراير 2013 ومحمد البراهمي في 25 تموز/يوليو 2013.

وأضافت "تبقى العمليات الأمنية متواصلة لتعقب العناصر الارهابية".

واعتقلت الشرطة التونسية في وقت سابق رئيس الجناح الامني لانصار الشريعة محمد العكاري.

وسنة 2005، اعتقل الجيش الاميركي في العراق محمد العوادي وحبسه 5 سنوات في سجن أبو غريب ثم سلمه الى تونس سنة 2010.

وتقول وزارة الداخلية ان جماعة انصار الشريعة بتونس تتكون من اربعة أجهزة هي الجهاز الدعوي، والأمني، والعسكري، والمالي وكلها تحت إشراف "الأمير العام" أبو عياض، وانها خططت "للانقضاض على الحكم بقوة السلاح" وإعلان "اول امارة اسلامية في شمال افريقيا".

ومع كل هذه التطورات الأمنية الخطيرة في البلاد، دعت سفارة الولايات المتحدة الأميركية بتونس الإثنين رعاياها إلى "الحيطة والحذر"، خاصة مع اقتراب موعد ذكرى أحداث 11 سبتمبر 2001، و14 سبتمبر 2012 الذي شهد محاولة اقتحام سفارة واشنطن بتونس.

ورغم التحركات التي تقوم بها الحكومة الإسلامية للتعامل مع الحركة الإرهابية بعد لأي، وبسبب الضغوطات المكثفة من المعارضة، اعتبرت الدراسة الأميركية أن منهجية حكومة النهضة المتبعة مع الأنشطة الدعوية لحركة "أنصار الشريعة"، ستوضح وتكشف جليا ما إذا كانت تونس تضع خططا لفرض إجراءات صارمة بشكل كامل على الحركة، ومدى تبنيها لاستراتيجية أكثر حكمة تستهدف الأعضاء الذين يثبت عليهم بالدليل القاطع صلتهم بالإرهاب.

ويتهم أمنيون تونسيون وزارة العدل في حكومة النهضة بأنها تعاملت باستخفاف كبير مع مجهوداتهم لتعقب العناصر الإرهابية وإيقافها، إذ أقدمت في أكثر من مناسبة على إطلاق سراح عدد من الإرهابيين الموقوفين رغم ان التهم كانت ثابتة عليهم، قبل أن تعود وزارة الداخلية التونسية لتضع اسماءهم على قائمة المطلوبين للقضاء إثر قرارها بتصنيف تنظيم أنصار الشريعة تنظيما إرهابيا.

وكان القضاء التونسي قد اثار استغراب وريبة التونسيين والأميركيين عندما اصدر أحكاما مخففة على عدد من المتهمين في قضية الاعتداء على السفارة الأميركية في سبتمبر/ايلول 2012.

وتتوقع الدراسة الأميركية أن يكون أمر التصدي للإرهابيين بالنسبة لتونس محفوفا بالمخاطر، لأن تبنّي أي منهجية فاشلة في مقاومة الإرهاب ـ كما بدأ ينكشف تدريجيا ـ ، قد يشعل حالة من التمرد والعصيان الشامل داخل البلاد، لاسيما وأن القوات الأمنية الحكومية غير مدربة للتعامل مع مثل هذا التطور وهي منتشرة على نحو ضعيف مثلما هو عليه الأمر حاليا.

وقالت نقابات أمنية إن أوامر صادرة عن وزارة الداخلية عندما كانت في عهدة رئيس الحكومة الحالي علي العريض، قد منعت فريقا أمنيا متخصصا من اعتقال "ابو عياض" على خلفية أحداث السفارة الأميركية عندما كان متحصنا في أحد مساجد تونس العاصمة.

يذكر ان سيف الله بن حسين ومحمد العوادي ومحمد العكاري وعادل السعيدي كانوا يقضون عقوبات ثقيلة بالسجن بتهمة "الانضمام الى تنظيمات ارهابية خارج تونس" قبل ان يتم الإفراج عنهم بموجب "العفو التشريعي العام" الذي صدر إثر الاطاحة بنظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي مطلع 2011.