أبعاد تجربة اسرائيل الصاروخية

في حمأة الجدل الدبلوماسي والعسكري الغربي لتحضير الضربة العسكرية لسوريا، نفذت اسرائيل تجربة صاروخية فوق البحر المتوسط، لها دلالاتها وأبعادها، كما لها تداعياتها المفترضة على مختلف الصعد في المنطقة. فما هي خلفياتها ورسائلها المعلنة والمضمرة؟ وهل تمكنت تل ابيب من تحقيق غاياتها المفترضة؟.

في المبدأ ثمة قراءات اسرائيلية مختلفة لما يجري في سوريا وبالتالي كيفية الاستفادة القصوى من هذا الوضع، وفي مطلق الأحوال وأيا تكن هذه القراءة، يجمع الاسرائيليون على ضرورة توجيه ضربة قاصمة للجانب الذي يهدد أمنها، وبالتالي تدمير كل القوى الاستراتيجية السورية لا سيما منها الأسلحة غير التقليدية وبالتحديد الكيميائي والبيولوجي وأيضا وسائل اطلاقها، اي الصواريخ البالستية.

لقد عمدت اسرائيل منذ حادثة "مجزرة الغوطة" وبصرف النظر عمن نفذها، إلى دفع الامور إلى نهاياتها في المواجهة مع النظام السوري وإيجاد السبل الآيلة لقطف ثمار الحدث وفقا لمصالحها. حرّكت وسائل ضغوطها في الداخل الاميركي وخارجه، وجيّشت الاعلام وبنت كل البيئات الداعمة لإجبار واشنطن على اتخاذ القرار للبدء في العملية، وأخيرا بعدما شعرت ان الامور بدأت تبتعد وتخرج عن نطاق سيطرتها نفذت فعلتها. فهل استفادت من هذه التجربة؟

في المبدأ، يُسجل لإسرائيل جرأتها على اقتحام الأزمات المتفجرة ومنها هذه الجزئية من الأزمة السورية، لكن الذي حدث تأكيد اسرائيل الدخول العسكري المباشر على خط الأزمة الاقليمية – الدولية القائمة ومحاولة اشعالها من باب التجربة الصاروخية على خلفية اعلامية دفاعية وعلى قاعدة انها المستهدف الاول عند البدء في تنفيذ الضربة العسكرية على سوريا وهذا صحيح من الناحية العملية والواقعية، لكن النتيجة المباشرة لهذه التجربة انتهت بعد اطلاقها بأقل من دقيقة واحدة، للعديد من الاعتبارات ومن بينها، اولا الكشف المبكر جدا عن اطلاق الصاروخ من قبل موسكو، ما يعني ان الجهوزية الروسية في البحر المتوسط هي عالية جدا، وثانيا فشل اسرائيل الواضح في انجاح عمليات التشويش على الرادارات الروسية المنصوبة جنوبا وشرقا اي في المواقع المواجهة مباشرة لحلف الاطلسي ومجاله الحيوي في المتوسط، وثالثا تحديد موسكو لنقاط الالتقاء والافتراق بين سياستي روسيا وإسرائيل وبخاصة في المسائل الاستراتيجية التي تعتبرها موسكو من قواعد اللعبة الأساسية في شرق المتوسط وهنا بيت القصيد.

صحيح ان العلاقات الروسية الاسرائيلية هي علاقات استراتيجية في الكثير من الملفات، وكادت هذه العلاقة تبدو اكثر وضوحا وقوة من العلاقات مع الولايات المتحدة بفعل تأثيرات اللوبي اليهودي في موسكو من خلال ثلث اليهود المهاجرين إلى إسرائيل، لكن موسكو رسمت خلال الفترة الماضية خطا احمرا لمصالحها الخاصة بصرف النظر عن الرغبة الاسرائيلية في بعض الملفات ومنها الازمة السورية.

ان تجربة الصاروخ المعلن قد اعطى اندفاعة معاكسة للغايات التي اطلقت من اجله، فهي لم تشعل فتيل الأزمة الصاروخية ضد دمشق، وفي نفس الوقت لم تتمكن القوى المواجهة من إلغائها أو التغيير في مسارات التحضير لها. لكن القراءة السياسية للصاروخ تعطي انطباعا واضحا ان ثمة تصميم روسي على ابقاء الأزمة القائمة في مسارات يمكن السيطرة عليها بصرف النظر عن حجم ونوعية وكيفية الضربة المفترضة ضد سوريا. اضافة إلى ذلك، وبصرف النظر اذا نفذت الضربة ام لا، ثمة وقائع ونتائج قد حصلت وهي موازية تقريبا لنتائج ضربة تقليدية رمزية ولو لم تحصل، وهنا تكمن خطورة القضية أيضا، للعديد من الاعتبارات والأسباب، من بينها ان كل طرف سيدعي انه المنتصر في هذه اللعبة وسيبني مواقفه على هذا الاساس مما سيؤدي إلى مواقف أخرى تزيد الأمور تعقيدا والخاسر الأكبر في هذه العملية هو الشعب السوري بمختلف فئاته واتجاهاته، وثانيا القضاء على اي امل في حل سياسي للأزمة السورية كجنيف 2 أو غيره، وثالثا التأكيد مرة أخرى ان العرب مجتمعين لم يعد لهم اي دور في الحل والعقد في المنطقة، وبات القرار بيد فاعلين اقليميين ودوليين اقوياء يقررون ما يجب ان نفعله وماذا يجب ان لا نفعله.

ان تجربة اسرائيل الصاروخية ليست سابقة في تاريخها العسكري، وقد اعتادت تل ابيب القيام فيها في غير مناسبة وظرف سياسي وعسكري، إلا ان الملفت فيها هذه المرة سرعة تنصل الكثيرين منها بعد الاعلان عنها، في مقابل التوضيح الاسرائيلي اعلاميا لا عمليا. ما يثير مخاوف جدية مستقبلية حول منطقة هي اشبه بفوهة بركان على قاب قوسين أو ادنى من الانفجار.

سخرية القدر ان يبقى امننا العربي بيد غيرنا، صواريخ نهدد بها ولا يحق لنا حتى مناقشة الأمر لمعرفة اين ومتى وكيف، وغريب المفارقات في وضعنا المزري، اننا نهلل ونكبر لانتصارات وهمية على قاعدة تخفيف حجم الضربة ونوعيتها، في الوقت الذي يحصد غيرنا نتائج الضربة وان لم تقع ومنهم اسرائيل التي جرّبت صاروخا ربما في المعنى العسكري يعني بعض الشيء، لكنه في السياسة يعني الكثير وهو ما تعوّدنا على تلقيه لا كفعل بقدر ما هو رد فعل، انها مأساة فعلا!