من المقصود بالضربة... رأس الأسد أم ذيله؟

العرب يعيشون في وهم يعرفونه ومصرون عليه، فقد شاركوا في تحرير الكويت من اجتياح صدام في حرب الخليج الأولى عام 1990، ولا بأس في هذا، وفرحوا لضرب أميركا العراق في الحرب الثانية، متوهمين أن المقصود كان رأس صدام، وهذا كان غير صحيح، وقد أصر بوش على إعدام صدام في عيد الأضحى، ولكن ماذا حدث للعراق بعد صدام؟ هذا السؤال مغاير تماماً بالنسبة لوضع لسوريا، والعرب يوهمون أنفسهم بأن المقصود من الحرب على سوريا هو القضاء على نظام الأسد، ولا يريدون فهم ما قاله الرئيس الأميركي باراك اوباما، أن الضربة ليست لرأس الهرم في سوريا ولا يوجد لديه نية لتدمير النظام السوري؛ لماذا؟ حتى لا تتغير معادلة الصراع وتغير ميزان القوى داخل الساحة السورية؟ فالأسد سيبقى حياً ليفترس ولن تطله الضربة الأميركية. إذن من هو المقصود من الضربة يا عرب؟!

على كل الأحوال المقصود من الضربة العسكرية الأميركية شيئان فقط، المستهدف الأول ترسانة الأسد العسكرية بما فيها مراكز التحكم ومستودعات الأسلحة الكيماوية وسلاح الجو بنسبة لا تقل عن 99% كما تقول التقارير الإسرائيلية، وهذا أمر غير مقلق بالنسبة للأسد وحلفائه صانعي هذه الترسانة العسكرية، بحيث لا يذهب هذا "الخير" إلى أيدي الثوار وعلى التحديد "جبهة النصرة" المناهضة له، ولا حتى لـ"حزب الله" المؤيد له، لذا نلمس برودا وارتخاء أعصاب عند الأسد من الضربة على عكس صدام الذي أطلق التهديد والوعيد لأميركا مرددا كلمة عدوه الخميني "الشيطان الأكبر"، وهذا ما تسعى إليه إسرائيل منذ زمن بعيد وهو تدمير ترسانة الأسلحة السورية للحفاظ على أمنها واستقرارها في المنطقة، لذا رأينا الهجوم اللاذع الذي تعرض له الرئيس الأميركي اوباما في وسائل الإعلام الإسرائيلية وعلى ألسنة مسؤولين إسرائيليين وصفوا الرئيس الأميركي بـ "الجبان" لتأجيل العملية العسكرية ضد سوريا، بانتظار موافقة الكونغرس على هذه الضربة، وهذا يكشف تلهف إسرائيل لقيام الغرب بشن عدوان على سوريا لتدمير دولة عربية أخرى، وهو ما ينسجم مع مصالحها، التي تفضل أن يقوم الغير بمثل هذا العدوان تحقيقا لمصالحها.

أما الشيء الثاني المستهدف في هذه الضربة أولئك الذين سيحلون محل النظام البعثي، وعلى وجه التحديد الإسلاميون حتى ولو لم يصعدوا إلى الحكم فتعتبرهم أميركا صداعا لها ولحليفتها إسرائيل، التي تحلم بسوريا وعراق ومصر مدمرة لتصل من النيل إلى الفرات.

صحيح أن الطرف الأول الذي فرض المأزق على الجميع هو النظام السوري، ولكن الدول العربية تكرر نفس خطأ العراق وليبيا، بتسليم ملف سوريا إلى يد أميركا، وكأن الأمر لا يعنيها. هل نسمي هذا عجزا أم تقصيرا أم وهما؟! الصحيح أن هناك دولا عربية تعلن رفضها للضربة بطريقة مرتبكة لا تجعل لرفضها مترتبات سياسية معينة، وتكتفي بأن تكون شاهد زور على ما سيحدث. نموذج ذلك مصر في عهد الانقلاب العسكري. الأردن نموذج آخر لدولة عربية لا تعلن رفضاً ولا قبولاً للضربة، ولكن تؤكد أنها لن تكون منطلقاً لهذه الضربة.

على الناحية الأخرى، هناك دول عربية تقبل ضمناً بالضربة لكنها تلوذ بالصمت ولا تعلن موقفاً رسميا، وقائمة هذه الدول طويلة من الخليج العربي إلى المغرب العربي. لبنان الأكثر تأثراً بالحرب الأهلية السورية ومنقسم في موقفه من الضربة بين شعار "المقاومة" وشعار "الحيادية"، أما العراق الذي يعاني حرباً أهلية ضروسا ونفوذاً إيرانياً ترتفع كلفته يوماً بعد آخر، فيحذر من مخاطر الضربة ولكن من دون أن يعلن رفضاً قاطعاً لها. الجزء الحاكم من النظام العراقي منقسم بين ارتباط مع طهران على أساس مذهبي، وارتباط مع واشنطن على أساس سياسي، وانطلاقاً من ذلك سيذهب رئيس الحكومة نوري المالكي إلى العاصمة الأميركية لتوقيع اتفاق دفاع مشترك مع أميركا صاحبة الضربة.

الدولتان الوحيدتان في المنطقة (من غير العرب) اللتان أعلنتا موقفاً واضحاً من الضربة هما تركيا وإيران.

تركيا لا تؤيد الضربة وحسب، بل ومستعدة للمشاركة فيها، مطالبة أن تطول رأس الأسد وليس "ذيله".

وإيران ترفض الضربة وتطلق تصريحات رنانة، ولكنها مبهمة عن رد فعلها في حال حصلت الضربة على سوريا.

لن تفعل إيران شيئاً بعد انسحاب روسيا، وإذا كانت الضربة محدودة وقصيرة الأمد. موقف هاتين الدولتين لافت لجهة أنه يؤكد المؤكد، وهو أن الدول العربية المعنية أكثر من غيرها بحرب أهلية في بلد عربي، والأكثر تأثراً بتداعياتها وتداعيات الضربة الأميركية المتوقعة، هي الوحيدة التي لا تملك موقفاً سياسياً واضحاً ومتماسكا، لذا تخشى أن تدور عليها الدائرة.