عبدالفتاح رزق في 'إسكندرية 47': 'الجماعة' دول حيضيعوا البلد

ما أشبه اليوم بالبارحة!

عجبت وأنا أقرأ من جديد رواية الكاتب الراحل عبدالفتاح رزق "إسكندرية 47" الصادرة في سلسلة "روايات الهلال" العدد 427 في يوليو 1984.

فهذا الكاتب الذي وافته المنية قبل سنوات طويلة من إندلاع ثورة 25 يناير، وما تلتها من أحداث مكنت "الإخوان المسلمين" من الصعود واعتلاء سُدة الحكم في مصر لمدة عام، يصور في روايته التي تقع معظم أحداثها في عامي 1947 و1948، ما تشهده مصر الآن عندما يقول:

"أولئك الذين يتشدقون بالكلمات المقدسة، يقتلون في غدر، ويفجرون القنابل في عماء، ويسيرون في طريق آخر تفيض على جانبيه الدماء".

وفي هذا الكتاب نقرأ: "بعد عرابي احتلت قوات من أوروبا، وبالذات من الجزر البريطانية، بلادنا مصر.. وعرفت أجيال متعاقبة وطأة الاحتلال".

ويقول المؤلف: "في الإسكندرية كنت صبيًا عندما أدركت مع جيلي تلك الوطأة مع ظهور وباء الكوليرا في سبتمبر 47.. ثم قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في نوفمبر 47 ثم إضراب ضباط البوليس في إبريل 48، ثم حرب فلسطين من 15 مايو 1948 إلى 24 فبراير 1949، ثم انتشار موجة القتل والإرهاب مع إعلان الأحكام العرفية، وكان بصيص الأمل في النهاية مع انتهاء أجل المحاكم المختلطة في 15 أكتوبر 1949حيث كانت المحاكم قبل ذلك عاجزة عن محاكمة الأجنبي الذي يقتل المصري!".

وعندما نبحر في عالم "إسكندرية 47" ونغوص مع شخصياتها التي تنوعت بين الشباب المناضل من أجل تحرير الوطن، والمنتفعين أصحاب النفوذ، والعوام من البسطاء الذين يتجنبون حتى الولوج في حديث سياسي ويؤثرون السلامة على شاكلة "خلينا في حالنا يا بني" التي قالتها أم صفية لابنها بكر وهي تثنيه عن الزج بنفسه في أتون السياسة، وبكر البستاني الذي التحق والده بالعمل في حديقة قصر منيف بحي محرم بك، وهو شاب ساخط على واقعه يحب الحديقة ولكن لا يعشقها عشق أبيه لها، يتطلع لحياة أفضل فيلتحق بالعمل بشركة الغزل إلى جانب عمله في هذه الحديقة دون أن يعلم أحدًا ولا حتى أمه وأختيه.

وهناك ينضم إلى خلية سياسية ضد الاستعمار ويقع في حب فتاة من المجموعة، قتل الإنجليز والدها سائق التاكسي بعد أن قام بتوصيلهم إلى قلعة كوم الدكة، في البداية كانت مدفوعة بالحقد والرغبة في الانتقام ولكن بمرور الوقت بدأت تتضح لها الرؤية بعد أن اكتشفت أن الدافع أسمى وهو التحرر من رق الاستعمار وذله.

ويأخذنا عبدالفتاح رزق إلى حادثة تاريخية مهمة وهي اضراب ضباط البوليس في 15 إبريل 1948 واعتصامهم في نادي البوليس بسبب يأسهم من جدوى الإلحاح في مطالبهم لتحسين مرتباتهم حيث كانت الرواتب متدنية والترقيات بطيئة وجميع المناصب الرئيسية في الوزارة يشغلها مدنيون، حتى أن ضباط البوليس كانوا يشعرون بالغربة في وزارتهم، وبالتالي لم تكن هناك فرصة أمام الضباط ذي الرتب العليا لتولي مناصب قيادية أو لشغل الوظائف العليا التي كان يتولاها مدنيون حتى منصب الوزير.

وعلى صفحات الرواية نقرأ: "إضراب لم يتوقعه أحد.. ما إن فرغ الناس من يوم الأكاذيب، أول إبريل، حتى استقبلوا صباح ذلك اليوم الغريب.

أقسام البوليس خاوية إلا من المحبوسين وراء الأبواب المغلقة، والعساكر اختفوا من كل الأماكن التي اعتاد الناس أن يرونهم فيها، وظهروا في جماعات غاضبة ثائرة تتحدى كل شيء وتصرخ مع ضباط البوليس بالمطالب.

في ساعات قليلة كان الدمار قد أطاح بكل المتاجر الكبرى وسط البد، تحطمت الواجهات الزجاجية، واقتحمت الأبواب، وسلب كل ما لم يكن في متناول كل يد. وزخرت الشوارع بلوحات مبتكرة؛ حافي القدمين وفي يده ساعة ذهبية، كل شيء بلا ثمن إلا الدمار.. والدمار!".

ويتحدث عبدالفتاح رزق عن انتشار الإرهاب على يد جماعة الإخوان المسلمين وكأنه يصف واقعنا الآن، نفس الأساليب من إشعال الحرائق في كل مكان ومحاولة اغتيال الشخصيات العامة:

"الثقة تكاد تتأرجح.. والموازين مقلوبة.. والطريق الذي كانت تضيء بداياته شعاعات خافتة غارق الآن في الظلام شديد الحلكة بعيد النهاية.. فمتى يكون الخلاص؟

وأولئك الذين يتشدقون بالكلمات المقدسة، يقتلون في غدر ويفجرون القنابل في عَماء.. ويسيرون في طريق آخر تفيض على جانبيه الدماء".

وتقول "ليلى"، الفتاة التي أحبها "بكر" عن جماعة الإخوان: "الجماعة دول حيضيعوا البلد.. أكيد متحالفين مع الإنجليز".

ونقرأ مع عبدالفتاح رزق مقتل النقراشي يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1948 على يد الإخوان بعد حل جماعتهم: "كانت يداه مشغولتين بخلع الأعشاب الشيطانية المتكاثرة حول زهور الحديقة عندما مر عثمان إلى جانبه وهو يحمل جرائد الصباح، ففرد عوده ليرد تحيته، ثم ليأخذ جريدة يقرأ عنوانها الأحمر الكبير.

مرة أخرى يقتلون.. والضحية هذه المرة رئيس الوزراء.. قتلوه من الخلف متخفين في زي البوليس.

كان يود أن يقرأ كل التفاصيل، ولكن عثمان كان يتعجله ليصعد بالجرائد إلى عارف، فأعطاه الجريدة وبقي مكانه كالمذهول، وفاجأه صوت أمه:

سرحان في إيه يا بكر؟

رد وهو ينحني على الزهور من جديد:

مفيش حاجة

قالت وهي تقترب منه:

أختك عزيزة كانت في السوق، وبتقول القيامة زي ما تكون قامت؛ ناس كتير في الشوارع وهوجة، يظهر إن فيه حاجة حتحصل!

زام في صوت خفيض: ما حصلت خلاص!

وضعت يدها على كتفه: ما لكش دعوة بالحاجات دي يا بكر، يمكن تفكر إني مش عارفة لكن أنا أمك وقلبي عليك خلينا في حالنا يابني".

ما أشبه اليوم بالبارحة، ومن لا يتأمل عبرة التاريخ يسقط في نفس أخطائه.

mostafa4100500@hotmail.com