في العراق، ثورة ضد المتقاعدين

لدى العراقيين مشكلة غريبة تتعلق برواتب أعضاء مجلس النواب التقاعدية وليس بالنواب أنفسهم، الذين يتوزعون في انتماءاتهم بين الكتل السياسية المتناحرة.

لقد فجع أبناء البلد المنكوب بسياسييه حين تم تسريب بعض أسرار الامتيازات التي يتمتع بها أفراد المؤسسة التشريعية الذين وصلوا إلى مناصبهم عن طريق الاقتراع الشعبي ليمثلوا إرادة الشعب ويحققوا تطلعاته في حياة كريمة، فإذا بهم يتنعمون بمنافع استثنائية من غير أن يظهروا أي نوع من الحماسة لاستصدار قوانين وتشريعات جديدة تساعد على الرقي بالمجتمع وتنميته وحماية ثرواته وتعزيز كرامته والدفاع عن حريته وقهر الفقر الذي ضحيته.

لقد خيبت دورتان برلمانيتان آمال الشعب.

فالبرلمانيون الذين صعدوا إلى مناصبهم بناء على وعود، تملصوا منها كانوا حريصين على أن يقدموا تمثيلهم لمصالح كتلهم الحزبية على تمثيلهم لمصالح الشعب. ولان ذلك الشعب لم يعرف من الديمقراطية إلا صناديق الاقتراع فقد كان عاجزا عن معرفة تفاصيل الدور الخطير الذي يمكن أن يلعبه مجلس النواب في الحياة الديمقراطية الحقة.

لذلك فوجئ النواب بحدة الاحتجاجات الشعبية التي تنادي بنزع امتيازات مادية اعتبروها حقا طبيعيا من حقوقهم الخالدة، بالرغم من أن تلك الامتيازات لا يتمتع بها أي سياسي في العالم.

لقد قدر خبراء ماليون أن العراق لو استمر في دفع المستحقات المادية للحياة النيابية بالحجم التي هي عليه اليوم فانه سيكون بعد عشر سنوات عاجزا عن تغطية الكثير من نفقات الدولة، بما يؤثر على رواتب الموظفين الصغار.

وهكذا فبدلا من أن ينهمك النواب في خدمة الشعب صاروا عبئا ثقيلا عليه. بل أن امتيازاتهم المالية صارت تهدد دولة ثرية مثل العراق بالعجز المالي.

وإذا ما عرفنا أن ميزانية العراق السنوية تتخطى دائما المئة مليار دولار، يمكننا تخيل حجم ما يرصد منها لتغطية نفقات المؤسسة التشريعية التي أثبتت أنها لم تكن نافعة، بقدر ما كانت مرآة للعملية السياسية المتعثرة في بلد تقاسمته الطوائف حصصا.

فلطالما قاطع البرلمانيون جلسات مجلسهم بسبب صراع كتلهم الحزبية على الامتيازات التي تستند إلى منطق المحاصصة. ولطالما امتنع برلمانيون عن المصادقة على تشريعات من شأن إقرارها أن يقدم خدمة للمواطنين في محاولة لتنكيل الكتل الحزبية، بعضها في البعض الآخر.

غير أن الادهى من كل ذلك أن مجلس النواب وهو سلطة تشريعية، تملك سلطة الرقابة بما يجعلها قادرة على استدعاء موظفي السلطة التنفيذية ومساءلتهم ومحاسبتهم وصولا إلى نزع الثقة منهم كان غير قادر على إلزام أعضائه الذين يقيمون خارج العراق بحضور جلساته.

وما صار الشعب على دراية به هو أن الفساد الذي يشل حركة الدولة والذي أهل العراق إلى أن يحتل مرتبة متقدمة في سلم الفساد العالمي قد اخترق برلمانهم فصار يشار إلى عدد من النواب باعتبارهم رموزا لنوع غير مسبوق من الفساد.

ولكن في خضم عملية سياسية صارت تدور في حلقة مفرغة تبدو الاحتجاجات الشعبية على جزيئة صغيرة من تلك العملية كما لو أنها محاولة لتوجيه الأنظار بعيدا عن أسباب ومظاهر الفشل السياسي الذي انتهى إليه الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل الأميركي معه ليوزعه بين الحكم والمعارضة.

فهل هذا يعني أن الاحتجاجات التي تشهدها مدن عراقية عديدة كانت موجهة من قبل طرف، صار يشعر بضرورة أن يُنفس عن الاحتقان الشعبي بالطريقة التي لا يمكنها أن تشكل خطرا على استمرار العملية السياسية المتهالكة؟

فبلد عجزت حكوماته عن إخراجه من النفق المظلم الذي دخل إليه منذ أكثر من عشر سنوات ولا تزال العصابات فيه قادرة في كل لحظة أن تقوم بكل ما ترغب القيام به محمية بأجهزة الدولة لا يمكن أن يصلحه الغاء رواتب تقاعدية لبرلمانيين هم في حقيقتهم مجرد أدوات صدئة ملحقة بأحزاب سبق لها أن تواطأت مع المحتل.

يقال إن تلك الاحتجاجات ما هي إلا بداية لعودة الوعي العراقي. وهو ما أتمناه، غير أن تلك العودة قد لا تكون سليمة إذا لم تذهب عميقا إلى الجوهر.

إن المطالبة بإلغاء العملية السياسية الفاشلة كلها سيكون كفيلا بإلغاء البرلمان برواتب متقاعديه.