بنكيران يستعد لإعلان حكومة جديدة دون الاعتبار من فشله الأول

الخطاب الديني لن ينفع إذا تغيرت أمزجة المغاربة فجأة

الرباط ـ يفرض رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران وصلاح الدين مزوار رئيس التجمع الوطني للأحرار شريكه الحكومي الجديد بعد استقالة حزب الاستقلال، تكتما شديدا حول الاتفاق الذي حصل بينهما خلال الاجتماع الحاسم الذي عقده الطرفان الأربعاء، والذي أعلنا في ختامه عن الحسم في التركيبة الوزارية الجديدة ونصيب حزب التجمع فيها.

ويمارس بنكيران وشريكه مزوار هذا التكتم بينما تقول أطراف سياسية وشعبية إنها لا تنتظر شيئا كثيرا من هذه الحكومة المنتظرة ما دامت قد تشكلت بنفس القياسات والحسابات التي أدت إلى فشل الحكومة الأولى وتركت المغرب في فراغ سياسي مقلق.

ويرتقب أن يتم الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة في الأيام القليلة المقبلة، وفق ما أفاده مصدر مقرب من المشاورات الجارية بين بنكيران ومزوار. 

وقال المصدر ذاته إن اللقاء الذي جمع الشريكين الجديدين الأربعاء حقق تقدما نوعيا في مسار المشاورات، خاصة على مستوى  التوصل إلى صيغة بين الطرفين لإجراء  تغيير نوعي على مستوى هيكلة الحكومة كما طالب بذلك حزب التجمع بما "يراعي فعالية العمل الحكومي ونجاعته"، وفق إفادة المصدر نفسه.

ويعيش المغرب منذ أكثر من أربعة أشهر ركودا سياسيا وذلك منذ أن قرر الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط نيته الانسحاب من الحكومة أواسط شهر مايو/أيار وهو ما حدث بعد ما يقارب الشهرين من السجالات والهجمات المتبادلة بين قادة حزب العدالة والاستقلال

واستقال حزب الاستقلال الذي كان يتولى ست حقائب وزارية بينها وزارة المالية، بسبب استيائه من خطط الحكومة لبدء تحرير أسعار بعض السلع الأساسية متهما حكومة بنكيان بالارتهان لأوامر صندوق النقد الدولي دون الانتباه إلى أنها ستضر بفقراء المغرب.

وقال محللون إن تشكيل الحكومة الثانية لن يكون فرصة تمكن رئيسها عبد الإله بنكيران من النجاح، إذا لم يعد النظر في استراتيجيته السياسية والاقتصادية المتقادمة.

وقال الكاتب المغربي عبد المنعم دلـمي في صحيفة "الصباح" إن "من المهم جدا بالنسبة إلى بلدنا أن تكون لديه حكومة تهتم، أولا وقبل كل شيء، بحسن التسيير وبالمصلحة العامة، وتضع جانبا معجم "التماسيح" و"العفاريت" التي عفا عنها الزمن.

وأضاف أن حزب العدالة والتنمية الاسلامي بقيادة بنكيران "نجح في الانتخابات بفضل الوعود التي قدمها، ومنها الحكامة الجيدة، والتي ظلت، إلى اليوم، مجرد شعارات لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع".

ويؤكد مراقبون محليون إن حزب العدالة والتنمية الاسلامي ما يزال يجد نفسه بعد سنتين من وصوله الى الحكم لأول مرة في المغرب، يصارع من أجل البقاء في السلطة، ويضطر إلى تنازل مؤلم لفائدة حزب التجمع الوطني للأحرار الخصم السياسي الذي عارض بشراسة سياسة حكومة بنكيران الأولى، في دلالة واضحة على تمسك مميت بالسلطة وخوفا من الذهاب إلى انتخابات جديدة في هذه الفترة التي تشهد انتكاسة شعبية واسعة للحكومات التي شكلها الإسلاميون في دول الربيع العربي وتجلت بوضوح في انهيار حكم الإخوان في مصر ومواجهة الجماعة الإسلامية هناك لمصير مجهول.

وقال حزب التجمع إنه رهن مشاركته في حكومة حزب العدالة والتنمية باحترامها لمن وصفهم بالشركاء المكونين لها، والالتزام بالأولويات ووضع مصلحة المواطن فوق الاعتبارات الضيقة "وألا تدع مجالا للعب على الحبلين".

وتعرضت حكومة بنكيران لانتقادات شديدة من جميع المتدخلين في الشأن السياسي المغربي ومن قطاعات واسعة من الشعب.

وترتبط هذه الانتقادات أساسا بغياب تفعيل وعود الإصلاح الاجتماعية المستعجلة التي تحدثت عنها الحكومة، ومسارعتها إلى ايسر الحلول في ذلك بالاستجابة إلى ضغوطات صندوق النقد الدولي بتحرير الأسعار بشكل عشوائي يهدد بتعميق أزمة ضعفاء الحال في المملكة.

وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد وجه في 20 آب/أغسطس انتقادات لاذعة لأداء حكومة الإسلاميين تركزت على قطاع التعليم.

وقال العاهل المغربي انه "من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها".

ويتهم رجال الأعمال المغاربة بدورهم حكومة بنكيران بفقدان المهنية والدقة في عملها.

ودعا دلـمي حزب العدالة والتنمية إذا كان لا يملك المهارات الكافية إلى "اللجوء إلى التكنوقراط أو إلى كفاءات من هيآت أخرى لديها الخبرة اللازمة لتطوير المغرب وتحسين ظروف عيش شعبه".

ويقول محللون إن "ما يكتشفه بنكيران وحزبه يوما بعد آخر هو ان الشعب المغربي متقلب الأحوال. فحتى لو أقنعناه ببرنامج انتخابي على أساس ديني، يمكن للظروف الاجتماعية اليومية ان تغير رأيه بسرعة في اتجاه تبني خطاب آخر".

وترجح التحليلات أن حكومة بنكيران الجديدة لن تصمد مثل الحكومة الأولى، كثيرا في مواجهة احتجاجات اجتماعية ينتظر أن تندلع بين اللحظة والأخرى بعد أن خضعت لضغوطات صندوق النقد الدولي وأقدمت على تبني إصلاحات تبدو مؤلمة لقطاع واسع من الشعب المغربي تشمل تحرير أسعار كثير من السلع الأساسية مقابل الحصول على تسهيل ائتماني من الصندوق الدولي بقيمة 6.2 مليار دولار بأجل عامين.

والاربعاء قالت الحكومة المغربية إنها ستبدا في تقريب أسعار الطاقة من أسعار السوق في القريب العاجل.

وكانت الحكومة قد أجلت قرار بدء تعديل أسعار منتجات الطاقة إلى ما بعد انتهاء شهر رمضان ليبدأ في 16 سبتمبر/ايلول.

وحث صندوق النقد الحكومة على خفض الدعم الذي التهم ما وصل إلى 53.36 مليار درهم في 2012 أو ما يعادل 6.4 في المئة من الناتج الاقتصادي المغربي.

وتقول الحكومة إنها تهدف لإبقاء الانفاق في 2013 في نطاق المبلغ المحدد في الميزانية البالغ 42 مليار درهم (خمسة مليارات دولار).

وكان وزراء حزب الاستقلال الخمسة قد استقالوا أصلا من حكومة بنكيران في يوليو/تموز لأسباب منها الاحتجاج على خفض الدعم.