الصوت المغيَّب في العلاقات اليمنية السعودية؟

أنا مقتنع مثل الغالبية الساحقة من اليمنيين ان مستقبل اليمن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحسن العلاقات والجوار مع السعودية. لقد شاءت اقدارنا ان نوجد في هذه المنطقة معاً، لم يختارونا ولم نخترهم، ولا يستطيعون استبدالنا كما لا نستطيع استبدالهم، عشنا معهم في هذا الجزء من العالم الآفاً من السنين مضت، وسوف نعيش معهم فيها الى ان يرث الله الأرض وما عليها، لا خلاص لهم منا ولا خلاص لنا منهم.

التأمل في الإرث التاريخي الموغل في القدم يقودنا الى التيقن من ان ما ربطنا مع السعودية أرضاً وانساناً من روابط ووشائج ودية وأخوية تمتد الى ما قبل نشوء الدولة السعودية أو اليمنية الحديثتين نسبياً بزمن طويل جدا، فهي تعود الى ايام الهجرات القديمة التي لم تنقطع والتي كانت تنطلق من اليمن وتتخذ من السعودية ممرا للوصول الى الشام ومصر وشمال افريقيا او تتخذها مقرا وموطناً بديلا عن الموطن الذي فارقته. وان المرء ليدهش من تطابق اسماء والقاب ما لا يحصى من العشائر والقبائل والعائلات السعودية مع مثيلتها في اليمن بما يقطع بالتاكيد انهم جميعا يعودون الى أرومة ذات منابع واصول واحدة. ولعل ابرز ما يمكن ذكره من التاريخ للتدليل على هذه الحقيقة هو ان الأوس والخزرج الذين استوطنوا المدينة المنورة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وشكلوا فيما بعد قوام أنصار النبي العربي واصفيائه واحبائه هم قبائل يمنية.

وربما كنتاج لهذا التواصل المستمر بين اليمنيين والسعوديين عبر التاريخ، نجد التطابق يكاد يكون كاملا في العادات والتقاليد وفي الموروث الشعبي من فنون ورقص وشعر.. الخ، وكذلك اشتراكهم في الكثير من الصفات التي يتسم بها عرب الجزيرة تاريخيا مثل الشهامة والشجاعة والكرم والنخوة وحتى في السحنة والملامح الى درجة أن يأتي اليمني الى السعودية او السعودي الى اليمن فلا تميزه هنا او هناك سوى بطاقة هويته او جواز سفره.

وقبل هذا وبعده هناك الدين الإسلامي الذي يربطنا معاً برباط وثيق من الأخوه والمحبة والود والتراحم والإيثار، ومن المسلم به ان اي مشاعر مناقضه لهذه القيم الرفيعة تعتبر خروجا عن تعاليم الدين الذي يشدد على ان المؤمنين أخوة، ومَثَلُهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.

هكذا كان الترابط عبر التاريخ.. أما في الوقت الحاضر فيكفي ان نعرف السعودية تحتضن على ارضها اكبر الجاليات اليمنية عددا خارج اليمن. ملايين من اليمنيين قضوا معظم او كل سني حياتهم في السعودية، يعملون وينتجون ويكسبون من خيرها بجدهم واجتهادهم ما يدفع عنهم غائلة الفاقة والحاجة، وبالتأكيد فإن اليمني ليشعر بالرضى عندما يسمع سعودياً يقول نحن لا ننكر إسهام اليمنيين في بناء السعودية، لقد كان لهم قصب السبق في هذا البناء وهذا نحفظه لهم في وجداننا وذاكرتنا ولا ننساه.

قبل ايام فقط تكررت هذه العبارة على مسامعي بلسان الأستاذ محمد الطعيمي الملحق التجاري السعودي، لكن الحقيقة انك تسمع هذا القول يتردد اينما يممت وجهك فوجدت سعودياً. كما لا شك ان السعودي يشعر بالرضى عندما يسمع يمنياً يردد بصدق ان ما نعلمه علم اليقين ان اليمنيين وهم يعملون في السعودية ويكسبون رزقهم من خيرها، يضعونها بعيونهم ويحتضنونها بقلوبهم على الأقل كما يسعى اي انسان للحفاظ على مورد رزقه. لكن الحقيقة ان اليمنيين فوق ذلك يعتبرون السعوديون اهلهم والسعودية وطنهم، ويسهمون مع غيرهم بنماءها والحفاظ عليها وصونها كما يُتوقع من اي مواطن يحب وطنه ان يفعل، وهذا ما كررته على مسامع الأستاذ الطعيمي ذلك اليوم.

في السعودية وُلد مئات الآلاف من اليمنيين جميعهم تشربوا بل ورضعوا حب السعودية وأهلها من نعومة اظفارهم، بل لا ابالغ إذ أقول ان جميع الشباب الذين ولدوا في السعودية يشعرون بالإنتماء لمسقط رأسهم السعودية اكثر من شعورهم بالإنتماء لأي مكان آخر، وعندما تلتقي بأي واحد منهم حتى بعد مغادرته السعودية بشكل نهائي - وجميعهم يغادرون بغير رغبتهم - تجد عندهم فيضاً من مشاعر الحب والحنين لمسقط رأسهم، ولك ان تختبر اي واحد منهم لتكتشف انه يحفظ عن ظهر قلب نشيد العلم السعودي لكنه لا يحفظ كلمه واحدة من نشيد بلده الوطني.

هذه هي مشاعر الأغلبية الكاسحة من اليمنيين تجاه السعودية والسعوديين، وانا اتحدث هنا عن الناس العاديين الطيبين في المدن والقرى والأرياف، هؤلاء الذين يكافحون لتوفير لقمة العيش الشريف لهم ولأولادهم ولايجدون فائض الوقت مثل السياسيين لممارسة ترف النقاش البيزنطي حول العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين. واذا كان السياسيون يغلفون حديثهم بالغموض ويعجنونه بالتذاكي الذي لا يخلو من الغباء احياناً ويربطونه دائماً بالمصلحة التي غالباً ما تكون ذاتية، فان البسطاء على النقيض من ذلك يعبرون عن مشاعرهم ببساطة وصدق وعفوية وهي جميعها مشاعر وديه وأخوية تجاه السعودية والسعوديين خصوصا انه من النادر ان تجد يمنيا لم يعش في السعوديو ولو لبعض الوقت او لا يوجد لديه قريب او صديق يعمل حالياً هناك.

هذه المشاعرالإيجابية تلمسها وتسمعها كلما جاء ذكر العلاقات اليمنية السعودية في مقيل او احاديث خاصة مع عوام الناس، لكن لماذا يا ترى لم تتمكن هذه المشاعر الشعبية الإيجابية من التعبير عن نفسها في الشارع وفي وسائل الإعلام بنفس حجمها ومكانتها في النفوس وفي القلوب؟ لماذا يجلجل صوت الكراهية على قلة عدده ليطغى على صوت المحبه والمودة رغم كثرة عدده وسعة انتشاره؟

برأيي ونحن نبحث عن تفسير منطقي لهذه المفارقة ان صوت الكراهية هو صوت سياسي بامتياز وليس صوتاً شعبياً، وما اشبه الجلبة التي يحدثها الصوت السياسي بصوت الطبل الذي يحدث ضجيجا بفعل الفراغ الذي يحتويه، في حين ان صوت الجماهير الشعبية التي تعكس حقيقة المشاعر الأخوية بين الشعبين اليمني والسعودي خافت وغير مسموع، ربما لأن هذا الصوت لم يجد الوسيلة المناسبة لإسماع رأيه ومشاعره حتى الآن، ولو أنه وجدها لطغى صوت الأخوة الهادر على صوت الطبول الفارغة.