الإقصاء.. جدل اللعبة الخطيرة

لا تزال أسئلة المشهد السياسي الراهن تلقي بظلالها على المستويين التنظيري والتطبيقي، ومن هذه الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة على هذا المشهد المتسارع سؤال الإقصاء، الذي يشير عادة إلى مفهوم الاستبعاد وكلما قفزت هذه الكلمة على المشهد السياسي كلما بدت الثقوب الغائرة في ثوب السياسة والسياسيين أنفسهم؛ لأن الالتجاء القسري إلى ممارسة إقصاء فصيل أو فصائل سياسية بحجة عدم تواصلهم السياسي في حوار بناء الوطن قصور واضح في امتلاك أدوات الحوار أو عدم وجود آليات حقيقية للتعايش السلمي بين المواطنين.

وفكرة الإقصاء فكرة تمييزية عنصرية طالما مورست بإجراءات سياسية رسمية لأن الإقصاء يمارس بصور كثيرة ومتباينة غير رسمية في حياتنا الاجتماعية بدءاً من بيئة المنزل الصغير داخل أفراد الأسرة الواحدة انتهاء بتواجد المشجعين بمدرجات كرة القدم وهذا يعكس هوية الثقافة التي يتبعها هؤلاء المواطنون. فضلاً عن أن اللجوء إلى تطبيق الإقصاء السياسي على فصيل بعينه دون الاعتبار لتسميته أو توصيفه على أساس حزبي أو ديني أو أيديولوجي فكرة تعكس انكماش وتقهقر العقل وتشير إلى حالات فرض الوصاية على رأي الآخر وهو أمر لا يعد مقبولاً في عصر يتميز بالعقلية الكونية وقبول الآخر بل والتعامل معه في مساحة تخدم الوطن والمواطنين أيضاً.

وجدير بالذكر أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر متمثلة في حكومتها آنذاك سعت عبر مؤسساتها الإدارية إلى إقصاء من يخالفهم أيديولوجية التنظيم، ولهذا كان عزل الرئيس محمد مرسي وسقوط الجماعة على المستوى الشعبي لاسيما وأن الرئيس وجماعته لم يفطنوا إلى دلالة المرحلة الانتقالية التي تعقب الثورات الشعبية والتي تتطلب حزمة من الإجراءات والممارسات السياسية ذات الأولوية القصوى. ومشكلة النظام السياسي الذي سقط جليا عقب ثورة الثلاثين من يونيو والمعروفة بالانقلاب الشعبي أنه لم يسع إلى دعم تأسيس الدولة الوطنية على أسس دستورية عميقة ومبادئ ديموقراطية أصيلة.

وهي ليست مشكلة النظام الإخواني السابق الذي يسقط شعبياً بجانب السقوط الأمني والسياسي لكنها مشكلة أي نظام سياسي لا يعبأ بالمشاركة السياسية فتكون نهايته الحتمية هي الإقصاء، فنظام سياسي يعد دستوراً لا ترتضيه الأمة بكافة طوائفها لا محالة سيذهب بعيداً عن السجل التاريخي للوطن هو ودستوره أيضاً، وأي نظام سياسي يسعى أن يعدم شعبه وتياراته السياسية رمزياً عن طريق إقصائه عن المشهد السياسي سيدفع الشعب حتماً يوماً ما إلى تطبيق كل صنوف العزل والإقصاء السياسي عليه وهو ما نشاهده اليوم في كافة مؤسسات البلاد في مصر.

والإقصاء وإن كان ضرورة سياسية في بعض ظروف الفتنة أو الطوارئ إلا أن لجوء النظام السياسي أيا كانت أيديولوجيته هو عدم احترام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، ونظام الرئيس المعزول محمد مرسي الذي بحق كان يعاني ضعف الإدارة والإشراف على البلاد وافتقر إلى ذكاء التعامل السياسي أغفل في حقيقة الأمر إلى إعمال فقه الأولويات في تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية وهذا لا يدفعنا إلى الحديث عن مرحلة ولت في تاريخ مصر والمصريين، ولا يقودنا إلى حقيقة الدفع بالتظاهرات التي تقيمها الجماعة اليوم في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد وهي في حالة مخاض ثوري مستدام ومتجدد.

فهذه التظاهرات التي تجتاح الشوارع رغم قلة عدد المشاركين بها ودون الالتفات لما تبثه القناة القطرية التي تحاول دون نجاح تحقيق تواجد إعلامي، تعد خيانة عظمى في نظر بعض المحللين السياسيين والعسكريين من زوايا كثيرة، لأن التظاهر وقت الطوارئ التي تعصف بالوطن تعد سوقاً رائجة لممارسة العنف والبلطجة والإرهاب الذي يتحول بصورة سريعة إلى جرائم إنسانية ممنهجة. وهؤلاء المتظاهرون في هذه الأجواء المضطربة سياسياً وأمنياً كان ينبغي علينا منذ فترة أن نوجه لهم تساؤلاً مهما وهو قبل أن تتظاهر قدم مشروعك أولاً ولننظر فيه جليا. وهذا ما لم تفعله لا الجماعة ولا نظامها السياسي الرسمي المتمثل في الرئيس المعزول وحكومته منذ تولي المهمة.

وفكرة خرق قانون الطوارئ وحظر التجوال عن طريق التظاهر الذي يبدو كثيراً غير سلمي مفادها الإضعاف المعنوي لأجهزة الشرطة التي تصر على مواصلة الحفاظ على أمن واستقرار الوطن، وثمة مشكلة ثقافية تكمن وراء تلك التظاهرات المصاحبة لأعمال العنف وهي جهل بعض فصائل الشعب بحضارته، فمن العجب والدهشة تحدي بعض تيارات الإسلام السياسي لقانون الطوارئ وقيامهم بهذه التظاهرات وهذا يعكس الجهل الثقافي بالقانون وبحضارة أمة عظيمة مثل مصر وهم في ذلك يفرضون على أنفسهم بأيديهم الإقصاء حيث إنهم لا يزالوا ينعزلون عن المشهد السياسي الراهن المستعر.

وعلينا أن نعترف أن ضعف الخطاب الديني السياسي المعاصر وفقره هو الذي أدى إلى الإقصاء بصورتيه السياسية والاجتماعية، وأن غلبة النصوص المجتزأة من سياقاتها الأصيلة ودغدغة أسماع البسطاء بها كانت وسيطاً سهلاً لأن يقصي هؤلاء أغلبية الشعب الذي يصر على بقاء وطنه كريماً عظيماً، وهذه النصوص أو بالأحرى الخطابات السياسية المغلفة برهانات دينية موجهة أسهمت بقدر كبير في نجاح عمليات التمويه والتضليل الذي مورس على البسطاء والعامة، وجعلتهم مثل خطاباتهم السياسية تعيش في نفق الطائفية والانغلاق. وحينما انغلق هؤلاء وهؤلاء داخل سياقات خطاباتهم السياسية المدشنة بعبارات وشعارات دينية بعيدة عن المشهد الراهن كان طبيعياً جداً أن يذهبون أنفسهم نحو مساحة الإقصاء بعيداً عن المجتمع الذي يتحرك سياسياً بقوة.

وكذلك الكثيرون ممن اعتصم وتظاهر وأقصى نفيه أولاً ثم الآخر المخالف معه أيديولوجياً بسبب امتطاء هودج الشرعية فهم لم يفطنوا إلى حقيقة وركيزة رئيسة من ركائز الحكم السياسي وهي أن شرعية السلطة الحاكمة تعتمد من الوجهة الدينية والوجهة الدستورية على رضا الشعوب، وأن الإقصاء الذي مارسوه هم على أنفسهم كان مفاده الإخلال بشروط أمانة الحكم فكانت هي النتيجة التي تحققت يوم الثلاثين من يونيو الماضي. وغفل أولئك عن أمور غاية في الأهمية وهي الحريات الأربع التي تشكل الحضارات والثقافات ومن ثم الدول والحكومات وهي حرية العقيدة، وحرية البحث العلمي، وحرية الرأي والتعبير، وأخيراً حرية الإبداع الفني.

منذ حدث الاعتصام برابعة العدوية وميدان النهضة المشهد السالف كان كفيلاً بذاته لرصد تلك الحريات الأربع حيث كثيراً ما شاهدنا فيديوهات تتناول الحض على قتل الأقباط، ومرة أخرى بتكفير المناهج التعليمية القائمة، ومرة ثالثة بإعلان الحرب علانية على المفكرين وتكفيرهم تارة وتحريض المواطنين بقتلهم تارة أخرى، وأخيراً ما رأيناه بشأن آراء فقهاء الاعتصام بخصوص الإبداع والمبدعين في مصر، وهم بذلك مارسوا أقسى أنواع الإقصاء على حرية الحياة نفسها. والمحاربون لفكرة الإقصاء هم أولئك الذين يدركون معنى الوطن الذي يشير إلى مساحة من الأرض تعيش عليها مجموعة من الأفراد تربط بينهم روابط مشتركة مثل اللغة والدين والعادات والتريخ والتقاليد، ويمكننا أن نضيف على هذه الروابط رابطة حيوية وراهنة وهي الهم (المطمح) المشترك والذي يعني اليوم بناء الوطن ونهضته الحقيقية.

ولست ممن يشيرون إلى إقصاء المخالفين في الرأي السياسي اليوم، نظراً لاعتبارات كثيرة بعضها جوهري والبعض الآخر حتمي وضروري، فإذا كنا قد وصفنا الذين انشقوا عن الصف الوطني تحت مظلات الشرعية بالتحجر الأيديولوجي فإن ذلك أدعى للحوار ولدعوتهم في المشاركة في المشهد السياسي الراهن بشروطه، وإذا كانوا يصرون على قراءة الحاضر في ضوء ماضي النظام السابق أيام مبارك وعهده السياسي البائد فإن سلطة الثقافة اليوم ذات يد طولى وعليها أن تبرهن بالقول والفعل أن الأنظمة بمتغيراتها لا تعود مرة أخرى حتى وإن كانت هناك عدة سيناريوهات تمهد لهذه العودة لكن الواقع الراهن يأبى العودة مطلقاً.

وإذا كانت المعاجم السياسية المتخصصة أشارت إلى مصطلح الإقصاء بأنه ممارسة العنف الوقائي الاستبعادي للآخر، وهو قرين العزلة، فإن هذا التعريف يدفعنا للإجابة عن سؤال أكثر أهمية من المواضعة اللغوية نفسها وهو من منتج الإقصاء؟ القائم بالإقصاء مفتون دوماً بنظرية التآمر وفقدان الثقة بالمحيطين، بالإضافة إلى أنه شخص يميل إلى إثارة الجدل والخلافات بين الفصائل المتباينة بقاء لوجوده منفرداً. ومن يسعى نحو الإقصاء ضرورياً وأن يكون رهن تطبيق نظرية "إما.. أو" إنها جدلية قائمة بين المرتكز الثابت، والمغاير المتحول، وفيها يقرر المنعزل ثقافياً عن مجتمعه أن يفرض شروطه وإن كان يمثل أقلية وسط أغلبية كاسحة وهو ما شاهدنا بعض مشاهده في أثناء اعتصام رابعة العدوية من بعض المعتصمين الذين قرروا إما أن يعود الرئيس المعزول أو أنهم سيفجرون مصر ويحرقونها بالكامل.