القضية: ما مفهوم تطبيق الشريعة؟!

دعاة الشريعة حزب خاص بها والإسلاميون كافة

الدراسة التي أعدها الكاتب حسن عبدالله ونشرتها «الاتحاد» مؤخراً حول مدى إمكان تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمعات المعاصرة، وكانت بعنوان: «أيها الإسلاميون أي نموذج ستطرحون: السودان، باكستان، أفغانستان، إيران، الصومال، أم ماذا؟! الشريعة الإسلامية. لماذا فشلوا في تطبيقها؟!»، جهد يستحق النقاش حوله. يرى الكاتب، وهو محق، أن جماعات الإسلام السياسي ظلت ترفع «تطبيق الشريعة» من أجل مكاسب سياسية.

لكنه ظل مجرد شعار بلا مضمون بسبب وجود عوائق عملية وواقعية اجتهد الإسلاميون لإخفائها حتى يصلوا إلى أهدافهم بدلاً من أن يجتهدوا في استنباط الأحكام الفقهية التي تحقق مصالح المسلمين في هذا العصر. وأشار الباحث إلى «مشروع السادات» لتقنين الشريعة والذي قام به رئيس مجلس الشعب المصري الراحل الدكتور صوفي أبو طالب بين عامي 1978 و1982.

فقد تم الانتهاء من 5 مشروعات قوانين طبقاً لأحكام الشريعة وحظيت بالموافقة الإجماعية من أعضاء المجلس، المسلمين والمسيحيين، لكنها دفنت في النهاية في أدراج مجلس الشعب ولم تخرج منه حتى الآن. كما أشار إلى تجربة الكويت في تقنين الشريعة عبر «اللجنة العليا لاستكمال تطبيق الشريعة» والتي أنجزت 10 مشروعات لقوانين إسلامية منذ إنشائها قبل 22 عاماً، كما تناولت الدراسة تجربة الرئيس السوداني جعفر نميري الذي فاجأ العالم في الثامن من سبتمبر 1983 بإصداره قراراً بتطبيق الشريعة فوراً في السودان، فقُطعت أياد، وجُلد البعض، ورُجم البعض الآخر، وطارت رقاب بزعم أنهم مرتدون.

لكنها فشلت في تطبيق «العدالة والتنمية»، وأصبحت «التجربة السودانية» عنواناً على الفشل الذريع في تطبيق الشريعة و«فزاعة» لأي نظام تسول له نفسه التفكير في السير على نفس الدرب. ولم تمر سنتان على «قوانين سبتمبر» حتى هبّ السودانيون وانتفضوا ضد حكم النميري (1985)، ليسقط ويتوقف العمل بها.

وتناول الكاتب أيضاً تجربة باكستان في عهد رئيسها الراحل ضياء الحق الذي أصدر قوانين مستمدة من الشريعة فأقام الحدود وألغى الربا ووضع خريطة للتطبيق الكامل للشريعة، ليتوقف العمل بها بانفجار طائرته وموته. كما عرض لتجربة إيران المذهبية والتي لا يعتبرها البعض جزءاً من تجارب تطبيق الشريعة بالمعنى العام.

وفيما يخص تجربة «طالبان» بين عامي 1996 و2001 في الحكم فإنها لم تنتج دستوراً أو نظاماً أساسياً أو قوانين منشورة، وإنما ممارسات شكلية منفرة تمثلت في تحريم كل مظاهر الحياة الحديثة وحظر استيراد منتجاتها. وربما تحسُن الإشارة أيضاً إلى التجربة الليبية لتطبيق أحكام الشريعة في عهد القذافي، عبر تشكيل «لجنة عليا» لمراجعة التشريعات الليبية وتعديلها بما يتفق مع المبادئ الأساسية للشريعة، وكانت برئاسة المستشار علي منصور في أكتوبر 1971.

ويرى الكاتب -وهو محق أيضاً- أن الشريعة لم تغب عن حياة المسلمين في كل المجالات، بداية من قوانين الأحوال الشخصية ومروراً بالمعاملات وانتهاءً بالحدود التي لم تعرف طريقها للتنفيذ -تاريخياً- نزولاً على المنهج الإسلامي الذي يدرأ الحدود بالشبهات، ويستشهد بالمفكر الإسلامي والفقيه الدستوري الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي يقول بأن القوانين الفرنسية التي استمدت منها التشريعات العربية «مأخوذة في معظمها من الفقه المالكي».

كما يؤكدها الدكتور خالد المذكور رئيس لجنة استكمال الشريعة بالكويت: «نحن درسناها في اللجنة واكتشفنا أن القوانين الفرنسية، معظمها مأخوذ من الفقه الإسلامي»، ويضيف: «لم نعدل من القانون المدني الذي يضم 1080 مادة سوى 40 مادة، والبقية لا تتعارض مع الشريعة»، ثم يقول: «إن أكثر من 95 في المئة من أحكام الشريعة، اجتهاد بشري متروك لمصالح الناس والكليات الخمس».

وقد أحسن الكاتب محمد الحمادي في تعليقه على الدراسة المذكورة ضمن مقالته «الإسلام السياسي وخديعة تطبيق الشريعة» بهدف: إثارة الحوار والنقاش حولها باعتبار «تطبيق الشريعة» وبعد ذلك «عودة الخلافة» مسألة تدغدغ بها جماعات الإسلام السياسي مشاعر العامة من المسلمين للوصول إلى الحكم حتى إذا وصلوا وضعوها جانباً كما حاصل في تونس ومصر! وأيضاًَ، إشارته إلى أن فشل تطبيق الشريعة في تلك الدول التي أرادت تطبيقها «يرجع بشكل أساسي إلى انفصال من يريدون تطبيق الشريعة عن واقع الناس والعصر الذي يعيشون فيه».

أتفق مع الكاتبين الفاضلين فيما ذهبا إليه من أن شعار «تطبيق الشريعة» ظل شعاراً من غير مضمون حقيقي بسبب انفصاله عن الواقع المعاصر>

لكن المشكلة (في تصوري) تكمن في أن معظم المنادين والمطالبين بتطبيق الشريعة من الجماعات الإسلامية على مختلف أطيافها ومن المنظرين والدعاة والخطباء، وكذلك معظم من شملتهم استطلاعات معاهد الأبحاث في أميركا وغيرها والذين أيدوا بشكل ساحق تطبيق الشريعة في مجتمعاتهم (99 في المئة في أفغانستان)، هؤلاء جميعاً ينطلقون من تصور قاصر للشريعة، عندما يفهمون «تطبيق الشريعة» على أنه تطبيق للحدود والعقوبات الشرعية فحسب بمعنى أنهم يحكمون على «إسلامية الدولة» من عدمها، بمدى تطبيقها للحدود، ويتخذونها معياراً وحيداً ويؤيدونها ولو كانت مستبدة وظالمة، ولا يأبهون للمفهوم الحقيقي والشامل لتطبيق الشريعة والمتمثل في المبادئ العليا للشريعة كالمساواة والعدل والشورى والحرية وحقوق الإنسان وكرامته، وهم بذلك يحصرون الشريعة في جانبها العقابي، مع أن الشأن في التشريع الجزائي العقابي أن يكون للعصاة الذين لا يشكلون أكثر من 10 في المئة في المجتمع، بمعنى أن الجانب العقابي في التشريع الإسلامي لا يشكل إلا النسبة الأقل في الشريعة الرحبة والتي تشمل تنظيم أمور المجتمع وفق القواعد العامة للسياسة والاقتصاد والاجتماع والأسرة.

إن هؤلاء الذين يتصورون «تطبيق الشريعة» حدوداً تطبق ومحرمات تُحظر، يسيئون إلى مفهوم الشريعة ويضللون الناشئة ويحرضونهم على تكفير المجتمع والخروج على الدولة بحجة أنها لا تطبق الشريعة بحسب مفهومهم الضيق، مع أن مجتمعاتنا تطبق الشريعة بمفهومها الواسع، نظاماً وتعاملاً وشعائر وأسلوب حياة، على المستوى الفردي والجماعي.

إننا بحاجة إلى جهد كبير لتصحيح مفاهيم إسلامية تم تشويهها لأغراض سياسية مثل تطبيق الشريعة والجهاد والاستشهاد والأمر بالمعروف، والتركيز على الوجه العقابي في الشريعة وتجاهل قضايا العدل الاجتماعي والحرية والكرامة والتنمية وحقوق الإنسان، والانشغال بالحجاب والنقاب وتقصير الثياب وإطلاق اللحى ومنع الاختلاط والغناء. فذلك أسلوب مضلل، هدفه الأساسي انشغال الأمة عن قضاياها الأساسية في معارك جانبية لن يستفيد منها إلا دعاة التشدد، وهو يخالف منهج الإسلام الذي يركز على الأولويات الكبرى كما يناقض جوهر الدين القائم على المودة والتسامح: «وقولوا للناس حسناً».

مشكلة «تطبيق الشريعة» ليس بتشريعات تُقنن وحدوداً تنّفذ، لكنها مشكلة عقول ضاقت عن استيعاب المفهوم الرحب للشريعة وأفهام ضلت الطريق بتأثير الأهواء السياسية.

عبد الحميد الأنصاري

كاتب وأكاديمي قطري