ماذا يريد العراقيون؟

لم يمتنع العراقيون عن المساهمة في تدمير بلادهم.

لا يمكننا أن ننسى مشاهد الخزي التي نقلتها الفضائيات التلفزيونية عبر العالم من بغداد مباشرة في اليوم الاسود الذي سقطت فيه عاصمة الرشيد. كانت الدبابات الاميركية تعبر على جسر الجمهورية من الكرخ إلى الرصافة فيما كان عراقيون ينهبون المؤسسات والدوائر الحكومية والمتاحف والبنوك والمدارس والمستشفيات والمعامل ويشعلون النار في المكتبات العامة ومخازن الارشيف.

مهما قيل في تفسير لحظة الانحطاط تلك فان الفعل كان عراقياً بامتياز.

في عام 2006 ضرب تفجير اجرامي مرقدي امامين في سامراء. يومها دعا رجل الدين الشيعي علي السستاني وهو ايراني الجنسية أبناء الطائفة الشيعية في العراق إلى التظاهر والتعبير عن غضبهم بالطرق التي تناسبهم. فكان القتل على الهوية هو الطريقة التي لجأ إليها أولئك العراقيون، لقد قُتل من العراقيين يومها على أيدي إخوتهم العراقيين عدد يفوق عدد العراقيين الذين سقطوا قتلى أثناء الغزو الاميركي للعراق.

مهما قيل في الحديث عن تدخل ايراني وتشجيع اميركي فان القتل يومها كان عراقياً.

حين ذهب العراقيون أول مرة إلى صناديق الاقتراع وهم شعب لم يختبر الديمقراطية من قبل ولا يعرف أي شيء عن أصولها صاروا يرفعون أصابعهم الملوثة بالحبر البنفسجي بطريقة استعراضية تفصح عن شعورهم بانهم بلغوا الهدف. فكانت النتيجة أنهم دونوا على الاوراق اسماء أشخاص قدموا مع المحتل، من غير أن يفكروا ولو للحظة واحدة أنهم يسلمون عن طريق ذلك التفويض بلدهم إلى زمرة من الفاسدين.

بسبب تلك الاصابع البنفسجية فإن بلدهم الذي خرج من الحرب مدمراً لا يزال بعد مضي أكثر من عشر سنوات على تلك الحرب مدمراً.

لقد هرب الفاسدون الذين تم انتخابهم بأموال الاعمار بعد أن شاع الفساد في مختلف مفاصل الدولة التي لم تؤسس بعد.

يتعثر العراقيون اليوم بمظاهر الفساد كل لحظة بحيث صاروا يدفعون الرشى بقناعة مثلما يدفعون الخمس إلى رجال الدين.

ومهما قيل عن فساد سلطة الاحتلال التي كانت واحدة من أكثر الكيانات السياسية فساداً في التاريخ فان الفساد الذي أشاعه السياسيون ورجال الدين كان أكبر وأشد فتكاً. وكان ذلك الفساد عراقياً بامتياز.

في تموز/يوليو الماضي قُتل من العراقيين في عمليات تفجير سيارات مفخخة عدد أكبر من عدد القتلى في سوريا وهي التي تشهد حرباً طاحنة بين النظام ومعارضيه في الفترة نفسها. ومع ذلك لم يرتفع صوت عراقي واحد مطالباً باسقاط الحكومة أو على الاقل استقالة المسؤولين عن اجهزة الامن والشرطة.

لقد اعفى الشعب حكومته من واجب حمايته. ولهذا لن يكون مفاجئاً أن يترشح رئيس وزراء فاشل مثل نوري مالكي لولاية ثالثة، بل لن يكون مستغرباً إذا ما حظي ذلك الترشيح برضا شعبي.

في تلك الحالة لا يمكننا أبداً الحديث عن ضغوط خارجية أومؤامرات اقليمية. فقرار التمسك بسياسي فاشل، تميز عهده بولايتيه بالانفلات الامني وانتشار الفساد المالي وانحدار البلاد إلى هاوية سحيقة من الفوضى التي يتوجها تخلي الدولة عن وظيفتها في تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين سيكون قراراً عراقياً خالصاً.

في مواجهة وقائع من هذا النوع هل سيكون عبثياً سؤال من نوع "ما الذي يريده العراقيون؟".

هناك في العراق اليوم فجوة هائلة بين لغة السياسيين ولغة الشارع.

فإذا ما كان سماسرة السياسة وإقطاعيو الدين لا تشغلهم سوى الخلافات على أصول الحكم والولاية التاريخية وبما يلحق بها من الغاز طائفية مضللة يُراد من خلالها تمرير مشاريع الكسب غير المشروع فان الشعب لا يعبر عن تململه إلا بطريقة تكشف عن ضياع ارادته وتفتتها وتشظي قوته وانحسار رغبته في بناء دولة تقوم على مبدأ المواطنة أساساً لسلطة قانونها.

يدفع العراقيون كل يوم ثمن موقفهم السلبي هذا من غير أن تظهر أية اشارة تؤكد أن غدهم سيشهد تحولاً ايجابياً.