حيرة الموقف الأميركي تجاه مصر

سقطت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في حالة من الحيرة والتردد في التعامل مع أحداث ثورة 30 يونيو وما تلى ذلك من أحداث واكبت الثورة الشعبية من تدخل الجيش وانحيازه للارادة الشعبية وعزل الرئيس مرسي وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً للجمهورية "بشكل مؤقت" ووضع خارطة طريق للمرحلة الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة ووضع جدول زمني لصياغة دستور جديد يتم على إثره انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ومنذ عزل الرئيس مرسي والموقف الأميركي مرتبك تجاه ماحدث ويحدث في مصر سواء بالتأييد أو المعارضة؛ فوزير الخارجية الأميركي جون كيري قال "إن الادارة الاميركية ترغب في عودة الأمور في مصر إلى طبيعتها".. وقد فسر البعض هذا التصريح أنه يعكس رغبة الادارة الاميركية في أن تعود الأمور في مصر إلى المسار الديمقراطي الحقيقي؛ الذي أهدره الرئيس مرسي خلال عام من توليه زمام الحكم؛ إلا أن الاسلاميين فسروا هذا التصريح أن أميركا ترغب في عودة البلاد إلى الشرعية الدستورية والقانونية المتمثلة في عودة "مرسي" رئيساً؛ حيث يرون أنه الممثل الشرعي والوحيد للسلطة والشارع.

ولما فشلت جهود الوساطة الاميركية والاوروبية والعربية لنزع فتيل مواجهة في الشارع بين غالبية الشعب الذين خرجوا للميادين وقاموا بالثورة على نظام "مرسي" وبين أنصار الاخوان المسلمين المعتصمين بميداني "رابعة العدوية" بمدينة نصر و" نهضة مصر" أمام جامعة القاهرة..جاءت تصريحات السيناتور الاميركي جون ماكين وزميله "لينزي غراهام" لتضع عزل "مرسي" في خانة الانقلاب؛ مما أثار صدمة لدى مؤسسة الرئاسة المصرية وغضبا لدى الشارع واعتبروا ما قيل في خانة "التدخل في الشأن الداخلي".

وبعد خيبة الوساطة جاء كلام جون كيري وزير الخارجية الاميركي حاسماً في تبرئة الجيش ووزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي من شبهة الانقلاب. وأن ما حدث هو تنفيذ للإرادة الشعبية.

وفشلت أيضا محاولة وليم بيرنز نائب وزير الخارجية الاميركي لنزع فتيل الأزمة بين السلطة الجديدة والاخوان المسلمين؛ حيث التقى مع الوفد العربي نائب المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين خيرت الشاطر في محبسه. لكن الجماعة تصلبت في موقفها الذي يقود إلى المواجهة الدموية. وألبست الجيش لباس الجلاد.

لقد سعت الجماعة منذ 30 يونيو لمحاولة استعادة ما أسمته "الشرعية" بالعنف والترهيب وابتزاز الحكم المؤقت بتصعيد حدة الكراهية؛ فقطعوا الطرق وهاجموا الشوارع والوزارات وحاولوا احتلال الميادين الكبرى وسعوا لاقتحام مؤسسات عسكرية.وصعدوا من أعمالهم العدائية ضد الجيش والشرطة في العاصمة ومختلف المحافظات؛ وخاصة في سيناء..وأطلقوا حرب شائعات ضد رئيس الجمهورية المؤقت ووزير الدفاع الفريق السيسي..وهددوا بحمام دم شامل واغراق البلاد في الفوضى والانفلات..وسعت الجماعة بكل ما تملك من قوة تنظيم بالحفاظ على تماسكها لكسب التعاطف الدولي والظهور بثوب الضحية.

لقد خسرت الجماعة فرصة تاريخية لن تتكرر في حكم مصر وبالتالي التأثير في المنطقة العربية؛ وحتى الآن لم تفق الجماعة من هول صدمة خروجها من السلطة تجر أذيال الفشل. وانكشفت بالتالي أقنعتها الاسلامية.

إن الحيرة في الموقف الاميركي يعكس خللاً في المنطق الذي تنظر به أميركا تجاه مصر؛ فعندما انطلقت شرارة ثورة 25 ياير 2011 باركتها الولايات المتحدة من منطق أنها ثورة ضد الاستبداد والفقر وغياب العدالة وأن نظام مبارك لم يعد يخدم مصالحها..وبعد الثورة تنامت حالة الاستقطاب السياسي بين معسكري الاسلاميين والليبراليين في وقت بدأت تتراجع فيه هيمنة الاستقطاب الاميركي لأحد المعسكرين.

لكن "مرسي" بعد توليه الحكم سعى لتسويق نفسه وجماعته بأنهم دعامة للمصالح الاميركية في المنطقة الداعمة لأمن اسرائيل في المقام الأول. وأنه لا خوف على المصالح الاميركية في ظل حكم الاخوان..وهذا الموقف متناقض مع أدبيات الاخوان في العداء للولايات المتحدة واسرائيل والغرب العلماني.

وكانت لدى الاميركيين رغبة في القبول بهذا التحالف باعتبار أن الاسلاميين بديل قوي لنظام "مبارك" وراهنت عليهم في مقابل القوى الليبرالية التي لم تتمكن من استقطابهم ـ والذي كان من المنطقي أن تنحاز لهم ـ إلا أن القوى المدنية والليبرالية ردت بثورتها التي لم تتوقعها الولايات المتحدة الاميركية في 30 يونيو بالوقوف في وجه استبداد الاخوان وفي وجه الموقف الاميركي الداعم لهم.

وهذا ما يؤكد أن الارتباك في الموقف الاميركي تجاه المشهد السياسي المصري جاء من عدة أسباب..منها: تراجع الايدلوجية الاستراتيجية الاميركية وعدم استيعابها ما يحدث في مصر..كذلك الانحيازات الاستراتيجية لمواقف الاسلاميين من أميركا واعتقادها أن الاخوان بدلوا خطابهم السياسي والايديولوجي الذي سيطر عليهم لعقود طويلة..كذلك اعتقاد الاميركيين أن الرهان على الاخوان هو الرهان الصحيح الذي ضمن المصالح الاميركية..كما أن الولايات المتحدة تنظر إلى الأزمة المصرية وما يحدث بعين الديمقراطية الغربية..لكن الواقع الجديد الذي فرض نفسه على الساحة الدولية هو أن حقبة حكم الاخوان قد طويت.