عندما تهرب 'حماس' من مأزقها...الى مصر

انتهى مفعول الاتهامات التي وجهتها "حماس" الى الاجهزة الامنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في أسرع بكثير مما يعتقد. كان الهدف من هذه الاتهامات التي قد يكون لها اساس ما، لكنّها تعكس مقداراً كبيراً من السذاجة، تبرئة "حماس" من التورط في توفير دعم مباشر، ذي أشكال مختلفة، للاخوان المسلمين في مصر في المواجهة القائمة مع قسم كبير، بل القسم الاكبر من الشعب المصري.

من المهمّ أن تعي "حماس" وهي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الاخوان المسلمين أن الذهاب الى مصر لا يفيدها في شيء بمقدار ما أنه يسيء الى العلاقة الفلسطينية- المصرية.

فبعد الكلام عن مشاركة "حماس" في اطلاق سجناء، بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي من سجن مصري في اثناء احداث شهر كانون الثاني ـ يناير من السنة 2011، لم يعد يوجد مصري يمتلك حداً ادنى من المنطق لا يدرك أن الحركة غارقة الى ما فوق اذنيها في الاحداث المصرية.

اكثر من ذلك، هناك شعور عام في مصر، قد يكون غير صحيح كما قد يكون صحيحاً، بأن "حماس" تمتلك نفوذاً على قيادة الاخوان في القاهرة من جهة فضلاً عن أنّها وراء فوضى السلاح في سيناء من جهة أخرى. ما يعزّز هذا الشعور تطلّع الاخوان المسلمين في مصر الى تجربة "حماس" البائسة في غزة واعتبارها تجربة ناجحة والسعي الى نقلها الى أرض الكنانة.

من يعرف مصر والمصريين، يعرف أوّل ما يعرف أن هناك حساسية خاصة لدى المواطن العادي تجاه أيّ طرف خارجي، عربي أو غير عربي، يمدّ يده الى الداخل المصري. فكيف عندما يتعلّق الامر بفصيل فلسطيني بات معروفاً أن لديه علاقة عضوية بالاخوان المسلمين الذين ثار عليهم معظم ابناء الشعب المصري بعدما حاولوا تغيير طبيعة مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية ووضعها تحت جناحي التنظيم الذي يمثلونه.

تكمن مشكلة "حماس" والاخوان في الوقت ذاته، بكلّ بساطة في أنّ الفصيل الفلسطيني حاول تسويق مشروع لا يمكن تسويقه. انّه مشروع غير قابل للتسويق نظراً الى أنّ مصر، كشعب، لا تستطيع القبول بنموذج غزّة الفاشل.

فشلت "حماس" سياسياً وفشلت عسكرياً وفشلت اجتماعياً وتربوياً وحضارياً. أمّا الفشل الأهمّ لـ"حماس" فيتمثل في عملها في خدمة الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. نجحت "حماس" في ابقاء الحصار الاسرائيلي لغزة، كما نجحت في دعم منطق اللامنطق الاسرائيلي القائم على أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. وفّرت "حماس" باختصار أفضل تغطية للحمومات الاسرائيلية التي ترفض خيار حلّ الدولتين.

لا تزال اسرائيل تستخدم موقف "حماس" من التسوية لتبرير عرقلتها للمفوضات التي بدأت قبل فترة قصيرة في واشنطن بينها وبين السلطة الوطنية. الدليل على ذلك، ان غير مسؤول اسرائيلي يقول في تبريره لرفض الانسحاب من الضفة الغربية، أن اسرائيل انسحبت من كلّ قطاع غزة صيف العام 2005، لكنّ ذلك لم يوقف اطلاق الصواريخ انطلاقاً من القطاع...بل تحوّلت غزة ومن بعدها سيناء الى مساحة تعمل فيها منظمات لا همّ لها سوى ضرب نموذج الدولة الفلسطينية المسالمة!

الاكيد أن "حماس" في مأزق. لا يمكنها الخروج من هذا المأزق عن طريق توجيه اتهامات الى السلطة الوطنية بالتحريض عليها في القاهرة عن طريق نشر انباء مسيئة اليها في وسائل الاعلام المصرية.

مشكلة "حماس" في مكان آخر. مشكلة "حماس" مع أهل غزة أوّلا ومع افتقادها لمشروع سياسي قابل للحياة ثانياً وأخيراً. هل تمتلك الحركة ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بهذا الواقع بدل الهروب الى مصر أو الى توجيه اتهامات الى السلطة الوطنية؟

لا مشكلة للشعب الفلسطيني مع مصر. مشكلة "حماس" في أنها حولت قطاع غزة الى مرتع لفوضى السلاح التي تمددت في اتجاه سيناء. لا يمكن للمؤسسة العسكرية المصرية التي تحظى بدعم شعبي لا سابق له القبول بذلك. بكلام اوضح، لا يمكن للمؤسسة العسكرية المصرية القبول بأن يردّ عليها الاخوان عن طريق "حماس" أكان ذلك انطلاقاً من غزة أو من سيناء أو من خلال اختراقات للداخل المصري. هذا أمر مرفوض مصرياً.

ليس أمام "حماس" سوى التراجع. التراجع يعني قبل كلّ شيء الاعتذار من مصر. والتراجع يعني الانضمام للمشروع الوطني الفلسطيني الذي يستهدف التخلص من الاحتلال. لا وجود لعاقل يؤمن بأن المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية ستؤدي الى نتيجة. ولكن لا يوجد عاقل لا يدرك أن هذه المفاوضات جاءت ثمرة وساطة اميركية وأن لا مصلحة لأيّ فلسطيني في قطع الجسور مع واشنطن.

هل تستعيد "حماس" وعيها، كما حصل في تعاطيها مع النظام السوري، أم تتابع الهروب الى أمام عن طريق توزيع الاتهامات في كلّ الاتجاهات، خصوصا في اتجاه السلطة الوطنية الفلسطينية.

نعم، ان التراجع خير من المضي في طريق لا يقود سوى الى زيادة عذابات أهل غزة. هؤلاء لا يستحقون ما يتعرضون له من ذلّ، خصوصاً ان كلّ المطلوب من "حماس" الاعتراف بأنها فشلت وأنّ كلّ مشروعها قام على خدمة الاحتلال الاسرائيلي. هل كثير على الشعب الفلسطيني، خصوصاً على المقيمين في غزة، أن يوجد من يسعى الى اعادة بعض الكرامة وبعض من الحياة الكريمة الى ابنائه؟

الاكيد أنّ ذلك ليس كثيراً على شعب عظيم مثل الشعب الفلسطيني، شعب متمسّك بثقافة الحياة وليس بثقافة الموت التي يسعى النظام في ايران الى تعميمها في كلّ المنطقة خدمة لاهداف لا علاقة للفلسطينيين بها من قريب أو بعيد.