انفلاش السلاح يرفع منسوب العنف ويدمّر العقد الاجتماعي

ليس بين آل زعيتر وآل حجولا خلافات عقدية ولا سياسية بالمعنى الواسع للخلافات. العائلتان تنتميان إلى البيئة نفسها الحاضنة لجماعة السلاح في لبنان.

في رمضان من العام الماضي تلاسن علي حجولا وسميح زعيتر لأسباب شخصية. تضاربا، ومن ثم جرا عائلتيهما إلى الاقتتال المسلح في منطقة الليلكي بالضاحية الجنوبية لبيروت. نتج عن المعركة التي دامت أكثر من ساعة قتيل هو خليل حجولا، وجريح هو ابنه إبراهيم. تدخل الوجهاء والقوى النافذة في المنطقة فتوقف إطلاق النار.

بعد نحو عشرة أشهر تجددت الاشتباكات عندما أراد آل حجولا الاقتصاص من قاتلي خليل. سقط في المعركة قتيل وجريح أيضاً، من آل زعيتر هذه المرة، وأحرقت محطة محروقات لآل حجولا.

قبل أيام تجددت الاشتباكات إثر وفاة مهدي زعيتر متأثراً بجراحه ـ سبق أن توفي محمد زعيتر أيضاً في جولات سابقة من المواجهات بين العائلتين ـ فاندلعت اشتباكات عنيفة، أُحرقت خلالها محطة حجولا مرة ثانية، وسقط ثمانية جرحى من آل زعيتر، الذي استنفروا على نحو غير مسبوق لتعقب آل حجولا، وقد أدى غضبهم إلى اقتحام مستشفى سان تريز والاعتداء على أحد العناصر الأمنية في المستشفى ـ كسروا أنفه ـ وحبس الممرضين في غرفة...ولم تنته المسرحية المخيفة إلا بتدخل الجيش الذي حاصر المستشفى طالباً من المسلحين إخلاءه دون أن يوقف أحداً منهم!

ازدهار العنف المجتمعي

قصة الاقتتال بين آل زعيتر وآل حجولا ليست يتيمة، ففي كل أسبوع قصة تكبرها أو تصغرها حجماً. ومع كل اقتتال عائلي أو حزبي تأكيد جديد على خطورة انتشار السلاح بين الناس وتآكل هيبة الدولة تجاه المسلحين، بحيث يصبح السلاح السبيل الأفضل للتعبير عن الغضب والكرامة العائلية.

ولدى التدقيق في سلوك المجتمع اللبناني يظهر أن نسبة العنف فيه ارتفعت بشكل غير مسبوق، تحديداً منذ انفلاش السلاح قبيل وبعد السابع من أيار، وأنه تصاعد بشكل أكبر في العامين الأخيرين في ظل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، مع ملاحظة أنه لم يعد مقتصراً على البيئة التي تؤيد سلاح "حزب الله"، وإنما انتقل عن طريق التقليد إلى معظم المناطق اللبنانية.

أدى هذا الواقع إلى تضرر العلاقة بين المواطن والدولة، فلا هو بات يعتبرها السبيل الوحيد لإحقاق الحق، ولا هي فعلياً قادرة على ذلك بفعل تآكل هيبتها وعجزها أمام القوى المسلحة، ما يعني مزيداً من تسلح المواطنين واعتمادهم على ذواتهم.

أما بين المواطنين فالعقبة أشد نتيجة تدمير العقد الاجتماعي؛ وقد بات كثير من اللبنانيين في حال طلاق مع مكونات أخرى من مجتمعهم الوطني، فيما خفض بعضهم من توصيف علاقته بالآخر من خصم إلى عدو، وبات الإشكال الفردي بين شخصين من طائفتين مختلفتين نذير حرب أهلية.

ولم يقتصر الأمر على المختلفين طائفياً أو سياسياً، فقد بات سلوك العنف المسلح مستحكماً بين أبناء الملة الواحدة والبيئة الواحدة، وعلى نحو بشع، ولأسباب تافهة...بل أصبح سلوكاً متقَبلاً بين أبناء البيت الواحد.

لعل المثال الأكثر فجاجة على الدرك الذي وصل إليه سلوك اللبنانيين؛ مجزرة بلدة الخريبة ـ قضاء بعلبك في 31/8/2011 عندما اقتتل الخال مع أبناء شقيقته من أجل أرض مساحتها ستة أمتار، فكانت النتيجة مقتل ستة من عائلة واحدة بين أخ وزوجة أخ وابن، وعدد آخر من الجرحى.(حصل خلاف مشابه على قطعة أرض قبل أيام في بلدة القصر الحدودية بين شقيقين فقُتل الأول وأصيب الثاني).

وإذا كانت أكثر الاشتباكات وأبشعها تحصل في المناطق التي يسيطر عليها "حزب الله" وحلفاؤه ممن يؤيدون السلاح غير الشرعي؛ فإن الأمر بات ظاهرة عامة تحصل في غير منطقة في لبنان، وما اشتباكات ليلة عيد الفطر لهذا العام في الضنية والتي راح ضحيتها عدد من الجرحى من آل علم الدين وفتفت ببعيدة عن الذاكرة.

مساوئ استعمال السلاح ليست هذه فحسب؛ فقد بات لكل ابتهاج بإطلالة زعيم ضحاياه، ولكل حزن بوفاة عزيز ضحاياه، وباتت حرمات الجامعات والمستشفيات مستباحة بالسلاح، وفرض القناعات على الآخرين وتفجير محالهم أو سياراتهم أمراً عادياً، وبات التعدي على أملاك الغير أو مشاعات الدولة أو مخالفة قوانين البناء وإجراءات السلامة العامة أمراً معهوداً...بل بات إطلاق النار على القوى الأمنية أمراً سهلاً ومتكرر الحدوث.

...والخطف

ظاهرة انتشار السلاح استولدت ظاهرة أخرى بالغة الخطورة؛ الخطف. استفحلت هذه الظاهرة على نحو غير مسبوق مؤخراً وتنوعت أسبابها ما بين السياسي والجنائي.

أشهر عمليات الخطف أربعة؛ وقعت كلها بعد إسقاط حكومة الرئيس الحريري تحت تهديد السلاح في 12/1/2011: خطف الأستونيين في 23/3/2011 ـ ولادة الجناح العسكري لآل المقداد وخطفه مجموعة كبيرة من السوريين والأتراك في آب من العام الماضي رداً على خطف شخص من آل المقداد في سوريا ـ توسع الاختطاف المتبادل بين أهل عرسال وجوارها اعتباراً من شهر آذار الماضي إثر خطف حسين كامل جعفر ـ خطف القبطانين التركيين قبل أيام على طريق المطار من قبل جماعة تطلق على نفسها اسم: زوار الإمام الرضا.

ويكفي الاطلاع على سجل أبرز عمليات الخطف للعام 2013، للدلالة على حجم انتشار هذه الظاهرة المدمرة للمجتمع والدولة:

ـ في شباط الماضي خُطف رجل الأعمال اللبناني نجيب يوسف في محلة أبو الأسود جنوب لبنان. في الشهر نفسه خُطف الطفل محمد عواضة ابن رجل الأعمال نضال عواضة من أمام منزله في وطى المصيطبة. بعدها بساعات خُطف قاسم حسين غادر من بلدة جدرا. في شباط أيضاً حدثت قصة خطف طريفة؛ عندما خُطف نزيه نصار من بلدة بريتال بهدف أخذ فدية، لكن الخاطفين وبعد 27 يوماً قرروا إطلاق سراحه دون فدية: "كرمال السيد حسن نصرالله الذي أجبرنا على تخلية سبيلك"، وفق ما جاء على لسان نصار نفسه!

ـ في آذار سجل خطف عامر أبو شاهين من الجبل، وثمانية من علويي سوريا في وادي خالد.

ـ وتمكن جواد نصر الدين من الإفلات من خاطفه في بلدة البقيعة في راشيا الوادي، مطلع نيسان.

ـ وفي أيار خُطفت أربع أجنبيات من ملهى ليلي في زحلة، وخطف بطرس سليم عطالله من أمام ملهى ليلي يملكه في زحلة أيضاً.

ـ في تموز الماضي خطفت الفتاة شهيدة فاروق زعبي (11 عاماً) من جبيل.

وآخر أعمال الخطف طالت الكابتن التركي ومساعده على طريق المطار، لكن اقتران الخطف بالكمائن المسلحة هو أحدث الظواهر وأخطرها، لأنه يجمع شرين معاً؛ الخطف والقتل، وكمين عرسال الذي تبنته مجموعة مسلحة جديدة، عقب نجاح تبادل المخطوفين بين أهالي عرسال وآل المقداد منعرج خطير في واقع البلد المضطرب على وقع السلاح غير الشرعي؛ علة الداء الذي فتت الدولة والمجتمع.