المرأة السُّورية: قسوة النِّظام وتشدد الثُّوار!

خلال مشاركتهن في الثورة طولبنَ بالثياب الشرعية!

ما أن انفجرت الثورة السورية (15-18/3/2011) حتى بدأ المجتمع يراقب، ويتمرد وينخرط في الثورة بقوة، وراحت المرأة تشترك فيها بأشكال متعددة، فساهمت في كل أعمال الثورة، بما فيها التشكيلات المسلحة بدرجة نسبية، ونحن نعتبر كل مساهمة في تأمين احتياجاتها هو جزء من العمل العسكري. النشاطات المتعددة للمرأة في الشرط الجديد، لم تغيّر واقعها القديم، ولم تطرح قوى الثورة أيّة رؤىً جديدة تخص واقع المرأة القديم، بل في بعض مناطق الثورة، ولا سيما ومع عسكرة المنطقة بالكامل، من جراء همجية الحل العسكري وظهور حركات مسلحة، ظهرت ممارسات متشدّدة دينيّاً بحق المرأة كفرض لباسٍ شرعيٍّ معين، ومنعها من التعلم ومنع أشكال التبرج، ومظاهر أخرى.

نساء الثورة، أو لنقل المنخرطات في الثورة، هن جزء منها أساسياً وفاعلاً، وإذا أشرت لدور مميز لهن، بمجالات الإغاثة والرعاية الطبية، فإنهن شاركن بمختلف نشاطات الثورة، ولم يبرزن في مجال مستقل محدد بعينه؛ فأغلب تنسيقيات النساء، أو الحرائر كما أشيع جزئياً وهذا خاطىء كلية ولم يتقبله المجتمع السوري بشكل عام، فقد بقيت كلمة نساء والمرأة الأقوى على الساحة الإعلامية؛ هذه التنسيقيات، هي ككل تنسيقيات الثورة، لم تطرح حقوقاً مميزةً للنساء، ولم تتحدث عن قضايا المرأة، وربما يعود ذلك إلى أن معظم العاملات فيه، يشبهون كل العاملين في إعلام الثورة، فيتركز العمل الإعلامي من أجل تكثيف العمل الثوري من اجل إسقاط النظام، وإذا ننتقد ضعف الخطاب الإعلامي بالعموم، فإن خطاب تنسيقيات الثورة يعاني من نفس القضايا، وهي مشكلة حقيقية، وهو ما يعرضهن لكثير من العفوية والتشدد الديني أحياناً ويوقعهن بأخطاء كبيرة تضر الثورة والحقوق العامة للمواطنين.

شاركت مجموعة من المثقفات والنشطات في الثورة وبرز أقوى صوت في سورية ، ومنذ الأيام الأولى صوت الفنانة المسرحية فدوى سليمان وكذلك الفنانة مي سكاف، وهناك غيرهن كثيرات، وقد شاركت فدوى بأشكال متعددة، تخطيطاً ومشاركة وقبل ذلك ساهمت مع زميلاتها في تحديد وكتابة الشعارات ومناقشة الجدوى والأهمية. في مظاهرات دمشق كافة في ساحة عرنوس ولاحقاً سوق مدحت باشا وغيرهما ، ولاحقاً انتقلت لفترة قصيرة إلى درعاً وبعدها استقرت في مدينة حمص ، في الأحياء الثائرة، وخطبت بآلاف الثائرين والثائرات بشكل متكرر وعلى مدى أشهر، إلى أن أصبحت حياتها في خطر مباشرة، وأصبحت إمكانية قتلها أمر ممكن جداً، فاستطاعت الخروج من سورية؛ وتعدّ هذه الفنانة أكثر ممن أشيعت عنها الحكايات السيئة والكاذبة جملة وتفصيلاً .

أما مي سكاف، الفنانة السورية الشهيرة، فقد برز اسمها بعد مظاهرة المثقفين في منطقة الميدان في قلب دمشق، والتي رفضت أن يعتقل زملائها، وأصرت على الذهاب معهم، فاعتقلت حينها وأفرج عنها لاحقاً مع بقية المجموعة. وما تزال هاتين الفنانتين ، وحتى بعد خروجهما من سورية، مجبرات على ذلك، من أبرز من يقبض على روح الثورة كثورة شعبية ضد نظام شمولي، ويؤكدن بشكل متكرر ضرورة أن تنتصر الثورة وأن ينتهي نظام الإفقار والنهب والتهميش والقتل والدمار هذا.

بدأت الاعتقالات بصفوف النساء منذ الأيام الأولى للثورة، ولم تستثنَ من سلوكيات الاعتقال والعذاب الهمجية، من شدّ الشعر والضرب واللكم والصفع والشتم، عدا عن التحرشات الجنسية ومختلف أشكال الانتهاك الذي يعاقب عليه الأشخاص في البلدان المتحضرة، ولكن في سورية، هي الممارسة الطبيعية جداً ليس لأجهزة الأمن بل وحتى في أقسام الشرطة ، وارتفعت أعداد النساء المعتقلات إلى الآلاف، إذا أخذنا بعين الاعتبار ، الاعتقالات والإفراجات، ومرور عامين على هذه الثورة. أما قضايا الاغتصاب، فهي من المحرم الكلام عنها في سورية قبل الثورة وأثنائها فالمرأة تعدّ عرض الرجل ومصدر كرامته، ويتعمّد النظام تدنيس هذا العرض بالتحديد.

حاولت بعض المجموعات والمنظمات معالجة قضية المغتصبات بالتحديد، ولكن حجم المأساة وتعذر الاعتراف بها، يعقّد موضوع حلها، وبالتالي تنحصر بمشكلات خاصة بعائلات تلك النسوة في المستقبل ، وقد حاول بعض رجال الدين إصدار فتاوى كالشيخ راجح كريم ، شيخ قراء سورية ، وهو رجل دين مهم وله قيمة بين المؤمنين بمدينة دمشق وسورية ، لمعالجة هذه القضية بطريقة الشفقة والرأفة بها ، بهدف الستر عليهن ، وبأن ذلك الأمر تمّ بغير إرادتهن.

إن كثير من النساء اللواتي هربن من جحيم الخوف من الاغتصاب، يضطررن وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية للزواج من رجال أثرياء يقتنصون فرص العوز والفقر والتعاسة التي تعيشها معظم الفتيات مع أسرهن، فيجدن أن الزواج أقل الكوارث التي يمكن أن تحيق بهن، ويتم تجميل الأمر للعائلات وفقاً لاعتبارات دينية ومطامع بالاستقرار في بلاد أخرى، فيتم من جراء ذلك بيع الفتيات ولا سيما الصغيرات منهن لرجال يتمتعون ببعض الثراء من الخليج العربي.

لا تنعم المرأة في حياة طبيعية، لأا من النظام ولا من الجماعات المتدينة، التي تهيمن على الثَّورة بقوة السلاح، بل تترقب تأسيس دولة حديثة، وتضمن للمرأة لفظ موقعها الدوني بشكل حاسم، وهنا يقع على عاتق قوى الثورة ومختلف تعبيرات القوى الحداثية ولا سيما منظمات النساء في سورية، العمل من أجل نيل حقوقهن، فقضاياهن هي جزء من صراعهن من أجل المواطنة الكاملة، والحرية الشاملة، وإلا فإنهن يتحملن مسؤولية كبيرة في تكريس واقعهن المتخلف والبائس في عبوديته.