القاعدة واليمن السعيد بقتلاه

قدر لليمن أن يكون جبهة اميركية لما يسمى بالحرب على الارهاب. وهي جبهة مفتوحة، مساحتها بلد بأكمله، وشعب صار ينتظر القصف الجوي في أية لحظة.

دائماً هناك طائرة من غير طيار ودائماً هناك قتلى أبرياء ونادراً ما كان هناك اعتذار من ذوي القتلى. وما نفع الاعتذار في الحالة اليمنية. فالحرب مستمرة والخطأ المقصود نفسه يتكرر.

بالنسبة للاميركان فان كل يمني هو مشروع مجاهد في القاعدة. لذلك يمكنه أن يكون مشروع قتيل مؤجل.

بالنسبة للتيارات السياسية الدينية اليمنية فانها تدين ما يجري للمسلمين في بورما ولكنها لا تجرؤ على ذكر تلك الحرب المفتوحة بين عدوين اختارا أرض اليمن ملعبا لصراعهما الذي ليس له نهاية. لم يتساءل أحد عن مشروعية القصف الاميركي ولا عن حقيقة وجود العدو الذي تطارده القوات الاميركية هناك.

بالنسبة للسياسيين ورجال الدين اليمنيين فان تلك الحرب امر مسكوت عنه. هي موجودة بحكم الامر الواقع، جزءاً من آلية العيش وتفاصيلها، كما لو أن الطبيعة اخترعتها وعلى الجميع أن يدفع ثمن استمرارها من غير اية رغبة في المناقشة أو السؤال عن أهدافها والمدى الزمني الذي تستغرقه.

إنها حرب، خيالها مفتوح على الأبد.

فإذا كانت الحرب، أي حرب لابد أن تنتهي إلى واحدة من أثنتين: اما النصر أو الهزيمة. فان حرب القاعدة على الاستكبار العالمي التي هي الوجه الآخر لحرب أميركا على الارهاب قد خطط لها ألا تنتهي إلى واحدة من النتيجتين المتوقعتين.

حين كان الشعب اليمني يحتشد بالملايين في الساحات، مع وضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، تناسى الجميع أمر تلك الحرب، رغم أن القائمين على تلك الحرب لم يتوقفوا لحظة واحدة عن تبادل هداياهم المسمومة.

لم يكن التفويض الممنوح للقوات الاميركية والذي يسمح لها بحرية القتل على الاراضي اليمنية جزءاً من المشكلة. فلم تشهد الساحات اختلافاً بين يمنيين على حق تلك القوات في أن تفعل ما تراه صحيحاً.

وعلى الجانب الآخر فليس هناك من اظهر استغرابه من ظاهرة وجود تنظيم القاعدة في اليمن، ولم يحذر أحد من خطورة الوضع الذي ينشأ بسبب تلك الظاهرة بكل ما تحمله من تداعيات سيئة سوى الرئيس السابق حين حاول أن يبتز الغرب منضماً وبطريقة تدعو إلى الاشفاق إلى ما يسمى بالحرب على الارهاب. وهي خطوة ما كانت لتغير شيئاً في سيناريو خلعه.

فهل كانت القاعدة جزءاً من النسيج الاجتماعي، الثقافي، اليمني؟

شيء من هذا القبيل يمكن تصديقه.

تاريخياً كانت اليمن بحكم انقطاعها الجغرافي وتكوينها الاجتماعي القبلي وتراثها الثقافي الديني ملاذاً آمناً لكثير من الفرق الفكرية المنفصلة. "ولكن تنظيم القاعدة ليس فرقة فكرية.إنه تنظيم مسلح يرغب في تكريس تصوره السياسي بالقوة"، قد يعترض البعض وهو اعتراض صحيح لولا أن ذلك البعض يغض الطرف عن نقاط الالتقاء الفكرية والسلوكية الكثيرة التي تجمع بين ذلك التنظيم وبين الحركات الدينية المسيطرة على الحياة اليمنية.

فاليمن بسبب تغلغل فكر تلك الحركات بين ثنايا مجتمعه هو دولة تنأى بنفسها عن المقاييس العصرية للدول. إنه يعيش عصره الخاص، وهو عصر يبدو فيه كل حديث عن الديمقراطية والتحديث والعصرنة مجرد أقاويل انشائية تلوكها السن المثقفين وتخطها اقلامهم على أوراق صفراء.

سيكون علينا دائماً ألا نبالغ في المسافات التي تفصل بين فكر ديني وآخر ينافسه أو يعارضه في التشدد. فقبول أحدهما بالآخر هو بالنسبة لكليهما أفضل من القبول بفكر الحداثة الذي يظنان فيه الكفر.

وبذلك فان اليمن كان دائماً بيئة حاضنة لكل الجماعات الدينية بغض النظر عن درجة تشددها. يجري ذلك على حساب قدرة المجتمع الضعيفة على تحديث أحواله. وهو ما يدفع باليمنيين إلى أن يتخذوا على مضض موقفاً مزودجاً يدفعون ثمنه كل يوم على هيئة قتلى بالخطأ.

فهم من جهة لا يأسفون لوجود تنظيم القاعدة في بلادهم وهم من جهة أخرى لا يملكون حق الاعتراض على نشاط حربي يهدف إلى مطاردة أفراد ذلك التنظيم، خشية أن يعتبر ذلك الاعتراض اعترافاً علنياً بالانحياز الى الارهاب.

وفي المسافة بين الموقفين يظل اليمن يرفل بسعادة قتلاه.