مولد سيدي مرسي!

يهوى المصريون الاحتفال بموالد أولياء الله الصالحين، كما تتعلق قلوبهم بمساجد آل البيت في مصر خصوصاً السيدة زينب وسيدنا الحسين. مصر سنية المذهب والعقل، لكنها شيعية القلب. وله المصريين بالحسين والسيدة زينب ومقام علي زين العابدين امتد إلى أضرحة وقبور ما أصطلح على تسميتهم بأولياء الله الصالحين.. مثل المرسي أبو العباس بالإسكندرية والسيد البدوي بطنطا وعبدالرحيم القناوي بقنا وغيرهم. هؤلاء تنسب إليهم أفعال وأقوال تختلط فيها الأساطير بالحقائق وتضيع المعلومات التاريخية الموثقة وسط حكايات الربابة (آلة موسيقية شعبية مصرية) وجلسات البسطاء في الريف الذين مازال بعضهم متأكداً أن بعضاً من هؤلاء الأولياء مازال حياً بيننا، لذلك تجدهم يرسلون إليهم الشكاوى والطلبات، وسواء كانت هذه الرسائل لتليين قلب زوج أو حبيب أو مناشدة لعودة الغائب أو استعانة على قضاء الحاجة.. ورغم أن هذه الأضرحة لا تضر ولا تنفع وساكنوها انتقلوا لدار الحق منذ زمن، إلا أن البسطاء ومعظمهم من الأميين يصرون على التمسح بهم.. مع أن المولى عز وجل يقول في كتابه العزيز "ادعوني استجب لكم" وليس بين الله وعباده حجاب أو واسطة أو غير ذلك.

موالد المصريين الدينية انتقلت إلى السياسة. صار السياسيون المصريون والغربيون يسعون إلى لقاء الرئيس المعزول محمد مرسي.

هذا المولد السياسي له هدفان. الأول خارجي والثاني داخلي. أما الخارجي فيمثل ضغوطاً من المبعوثين الأوربيين على القوات المسلحة والدولة المصرية لإعادة الإخوان للحكم وجعل مرسي رئيساً شرفياً حتى إجراء الانتخابات. أما الداخلي فهو اللقاءات التي يجريها الحقوقيون المصريون للرئيس في مكان احتجازه فتهدف إلى الظهور في وسائل الإعلام والتحدث إلى الكاميرات والقنوات وإظهار أن هذه المنظمات الحقوقية لها دور في المجتمع مع أننا لم نسمع لها أي صوت عند وقوع قتلى في أحداث الإتحادية ومحمد محمود وماسبيرو. المنظمات الحقوقية كانت تكتفي بالإدانة والدعوة لحوار مجتمعي توافقي. لكن زيارة مرسي تسلط عليهم الأضواء أكثر.. مع أنه "قانوناً" هو ليس معتقلاً سياسياً الآن، بل سجينا صدر قرار بحبسه على ذمة قضايا.

وهكذا تجد نفسك مضطراً للمقارنة بوضع الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي تم إذلاله ونقله لمستشفى سجن طرة ورفض علاجه بمستشفى القوات المسلحة، ولم يفكر أحد في زيارته أو الاطمئنان على صحته، بل على العكس كانت الصحف تتساءل عن موعد وفاته وهل سيحظى بجنازة عسكرية أم لا؟ وهل هو مريض أم متمارض!

لكن مقر إقامة مرسي أصبح أشبه بالمقام الذي يزوره المصريون من سياسيين وحقوقيين، وأجانب أمثال اشتون وبيرنز ووفد حكماء أفريقيا مع ملاحظة أن وزير خارجية ألمانيا كان يريد الإنضمام إلى مؤيدي ومحبي الرئيس المعزول، لكن الرئاسة المصرية اعتذرت له لأنه قيد التحقيق.. وبالتالي فهو ليس معتقلاً سياسياً ولكن "سجينا" سياسياً..

لعل الفارق بين حسني مبارك ومرسي أن الأول كان ديكتاتوراً والثاني رئيسا منتخبا تحول إلى ديكتاتور.. الاثنان مطلوبان للعدالة.. الأول يقضي عقوبته والثاني في طريقه للمحاكمة..

مرسي ونور

ولكننا تلاحظ أن "مرسي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً" مثل أضرحة الأولياء في مرسي.. يزورها الناس ولكنها لا تستطيع نفعهم بشيء.

لقد تأكد من زاروا مرسي سواء من الأجانب أو المصريين أنه يلقي معاملة حسنة ورعاية طبية وغذاء جيداً. وتأكدت "أشتون" ووفد الإتحاد الأفريقي أن 30 يونيو كانت ثورة شعبية وليست انقلاباً عسكرياً كما تحاول الميديا الغربية أن تقول. وفهم مرسي أن لن يعود لكرسيه وأنه سبق السيف العزل.

وأعود للتساؤل لماذا الحرص على زيارة مرسي وهو عبارة عن رئيس صادر ضده أمر حبس تماماً مثل مبارك غير أنه منتخب!

أولاً: مرسي بالنسبة للغرب ورقة ضغط لضمان تنفيذ الديموقراطية التي وعد بها الفريق أول السيسي وزير الدفاع والممثلة في خريطة طريق للمرحلة الانتقالية تشمل إعداد الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية.

ثانياً: سيتحول السيسي إلى "كارت تخويف" مثلما كان أيمن نور أثناء فترة حكم مبارك حيث كانوا يضغطون على الحكومة لإطلاق سراحه رغم ارتكابه لجريمة التزوير والتدليس وصدور أكثر من حكم قضائي ضده.

ثالثاً: بمجرد أن يصدر أي حكم بالسجن على الرئيس المعزول محمد مرسي، ستزداد الضغوط الدولية لإطلاق سراحه وضمان خروج آمن له. وأعتقد أن الدولة المصرية وشباب ثورة 30 يونيو لن يقبلا بذلك. كما أن الاستجابة لمثل هذا الطلب يعطي دليلاً قوياً بأن القضاء في مصر "مسيس" وتسهل السيطرة عليه.. مع أن العدالة الناجزة والقضاء هما ركنا أي ديموقراطية وليدة أو عتيدة.

ويبقى الأهم.. الرئيس المعزول محمد مرسي كان مجرد أداة في يد مكتب الإرشاد. المجرمون الحقيقيون هم بديع والشاطر والبلتاجي وحجازي وآخرين. في اعتقادي أن الإخوان ربما يضحون به ككبش فداء لينقذوا أعناقهم، فهو الرئيس.. وساعتها ربما يقيمون له "مولداً" إذا كان في السجن أو خارجه.. بإعتباره أول رئيس منتخب، وضحى بنفسه من أجل جماعته وناله ظلم بين وانقلب عليه قائد جيشه.

الإخوان يعرفون كيف يسوقون أحزانهم ومآسيهم وكوارثهم.. وسترتفع صور محمد مرسي – في حياته – إلى جانب صورة الإمام المؤسس حسن البنا، بإعتباره أول رئيس منتخب وشرعي ورائد "المشروع الإسلامي" في العالم العربي.

مولد "سيدي مرسي" سيكون تذكرة للإخوان بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. لكن الفرق بين مولد مرسي وموالد أولياء الله الصالحين، أن الأول سيحييه ويرتاده ويحتفل به الإخوان فقط. أما موالد الأولياء فهي لكل المصريين بلا تفرقة. الفارق الثاني أن مولد سيدي مرسي سيكون "مولداً سياسياً" لجماعة الإخوان التي حلمت طويلاً بالحكم فلما جاءها فقدته في عام واحد. وكما كان د. مرسي أول رئيس منتخب سيكون أيضاً صاحب أول "مولد سياسي" في مصر.