'ثورة المواطنة' ترفع شعار 'ديمقراطية الثقافة'

ثورة ناعمة بتكنولوجيا فاعلة

ثورة "المواطنة"، أو ثورة "ثقافة المواطنة" هي ثورة ناعمة بدأت تتجلّى ملامحها منذ أشهر في الشارع العربي، وراحت تسير جنبا إلى جنب وثورات الربيع العربي، وتتماهى معها في كثير من الأهداف المعلنة وخاصة منها حرية الرأي والفاعلية الاجتماعية.

هذه الثورة ترفع شعار "ديمقراطية الثقافة"، وتروم منه إعادة الاعتبار لمساهمات المواطن في التأسيس لثقافة جديدة تلبّي انتظاراته الحقيقية ويختارها هو بوعيه الفنيّ دون الخضوع إلى توجيهات المؤسّسات الحاكمة أو إلى ذوق الفاعلين الرسميين في المجال الثقافي.

يبدو أن التطوّرات الراهنة التي تعيشها منطقتنا العربية ساهمت في جعل مفهوم المواطنة يتمرّد على التنظيرات السوسيولوجية السائدة ـ تلك التي ترى فيه تعبيرة عن احترام المواطن لقوانين المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها بكلّ عاداتها وفنونها وأنظمتها السياسية، بل والركون إلى تشريعاتها في حراكه اليومي - والانزياح بهذا المفهوم صوب دَلالة جديدة يفارق فيها المواطن خانة المفعولية السلبيّة التي تردّى فيها عقودا طويلة بسبب الأنظمة الشمولية إلى فضاء الفعل الحرّ الواعي بطبيعة أدواره الاجتماعية والحضاريّة.

وقد ساعد في هذا التحوّل تنامي استخدام التقانة الحديثة بين الشباب العربيّ وما يسّره لهم من إمكانات التواصل مع أفكار الآخرين داخل أوطانهم وخارجها ومكّنهم من تنويع خطاباتهم الفكرية ورغّب إليهم المشاركة في الفعل الثقافي.

• ثقافة اليوميّ

يشهد الفعل الثقافي العربي، في السنوات الأخيرة، منعرَجا حادّا في مضامينه وفي أشكاله الفنية، إذ تنوّعت محامله التقنية، وانفتحت فيه شهيّة الناس إلى كلّ ما هو يوميّ، وانصبّوا باهتمامهم عليه يرومون الترقّي به مراقي عليا يفارق فيها ما عُرف عنه من صفات الابتذال والشعبوية، وهو أمر جعل التصوّرات "العامّة" عن العالَم وأشيائه تصير خزينا تمنح منه نخب المبدعين موضوعاتها وأساليبها الفنية سواء في المسرح أو في الرواية أو في السينما وغيرها من مجالات الإبداع الأخرى. ولم يكتف هذا التحوّل عند حدّ تأثير العامّة في النخبة، وإنما بلغ حدّا تمّ فيه انتهاك مفهوم الثقافة الذي ظلّ يرى فيها فعلا عالِما يبدأ من الأعلى وينزل إلى العامّة ولا يقدر عليه سوى الصفوة من المجتمع التي تعرف ما يحتاجه الناس وتستطيع توزيعه عليهم بالقسطاس وفق ما يخدم مصالحها ويضمن لفعلها صفة الديمقراطية الثقافية.

وقد نهض هذا الانتهاك المُواطني للثقافة على فرض مفهوم لها جديدٍ تكون فيه القاعدة الشعبية هي الفاعل في مجريات الحراك الثقافي والموجّه لتياراته والباني لأساليبه، ومن ثمة خرجت الجماهير من دائرتيْ "استهلاك المنتوج" و"الرضى به" إلى دوائر المساهمة في إنتاج المواد الثقافية.

وقد ساعد على هذا التحوّل أمور عديدة منها تآكل المؤسّسات الثقافية الرسمية خاصة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وقرب وسائل الإعلام منها، وتنامي حشود الجمعيات المدنية والتحرّرية في أوساط الجماهير ورفضها لمقولات التيارات الدينية الأصولية المحرِّمة لكلّ اجتهاد فنيّ. وهو ما مكّن "الأطراف" الثقافية التي كانت مهملَة ومغيَّبة من أن تكون صاحبة تأثير في "المراكز" الثقافية الرسمية، بل وفي الدفاع عن حقّها في ثقافة متسامحة ترفض العنف والتعصّب العرقي أو الدّيني.

• إبداع بلا وصاية

وكنتيجة لهذا التحول، صار بمقدور أيّ مواطن أن يساهم في إنتاج الثقافة، حيث سَهُل عليه أن ينوّع من مدخلاته الإبداعية الشخصية باستعمال التكنولوجيات الرقمية الحديثة، وأن يدلي برأيه في أيّ منتوج ثقافي آخر، بل وأن يقدّم للناس منتوجه الخاصّ سواء أكان فيلما قصيرا صوّره هو ويضعه في اليوتيوب، أم معرضا تشكيلا ينزّل لوحاته في وسائل التواصل الاجتماعي، أم كتابا إبداعيا يدعو الناس إلى قراءته إلكترونيا. وبهذا، بدأ الفعل الثقافي يتجاوز الأسيجة التي كانت تحدّ من انطلاقته، وصار فعلا عامّا تشترك فيه أغلب الفئات الاجتماعية دون وصاية من هذه الجهة أو تلك، وامتلك عافيته الفكرية بعيدا عن كلّ الدعوات الأصولية التي تروم تدجينه، ومكّن الناس من الإحساس بقدراتهم على أن يكونوا فاعلين ثقافيين بامتياز، أي منتجين وموزّعين ومستهلكين في الآن نفسه، وأن تكون الصناعة الثقافية لديهم صناعة حرّة لا تخضع إلاّ للاتجاهات الجمالية ولمدى قدرتها على جلب انتباه المستهلكين في أيّ مكان من الأرض.

ولئن لم تقدر المؤسّسات الثقافية الرسمية على إعلان إفلاسها، وظلّت تُداري عنه بمهرجانات هنا وملتقيات هناك، موظّفة في ذلك مجموعة من الأسماء الثقافية التي تربّت في أحضانها وتمعّشت من خزائنها، فالظاهر أننا نعيش الآن بدايات ما يمكن تسميته "الثقافة المدنية"، وهي ثقافة "مواطنية" تحشد في المواطن جميع قدراته التخييلية والفنية وخلاصة تجربته الاجتماعية، وتتكئ على رغبته في إعلان عصيانه لأغلب منتوج الأنظمة الشمولية في الفن والفكر، لتؤسّس لعهد ثقافي سمتُه التشاركية والفاعلية بعيدا عن الولاءات الأيديولوجية أو الحزبية.